الدويتو التركي- الأمريكي في الشرق الأوسط

ترجمة/ شيماء نعمان
مفكرة الإسلام : يرجع تاريخ صعود تركيا كدولة إستراتيجية رئيسية في السياسة الخارجية الأمريكية إلى ما يعرف بمبدأ ترومان عام 1947، عندما قررت الولايات المتحدة مساعدة تركيا، وهو ما أصبح لاحقًا القوة الموازية أمام التهديد السوفييتي.
ومنذ ذلك الحين، تمسكت الولايات المتحدة بتركيا كحليفها الهام؛ لدرجة أن "التحرك من خلال تركيا" صار عادة تلقائية في الدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط. وعلى مدى سنواتها الخمسين الأولى كانت الولايات المتحدة بلا شك هي راعي هذا الترتيب الثنائي. ولم تتعرض تركيا للاستعمار، لكنها فيما يتعلق بسياستها الخارجية كانت بكل تأكيد "تحت استعمار" الولايات المتحدة.
غير أن تركيا صعدت تدريجيًّا من نفوذها في هذه العلاقة، وانبثق منها نموذجًا تكافلي في نهاية التسعينيات، بينما خففت الولايات المتحدة من افتراضها "القيادي" المسبق أحادي الجانب. وقد زاد من استقلالية تركيا أمام الولايات المتحدة تقدمها في النمو الاقتصادي وبناء الديموقراطية. ومنذ ذلك الحين، أكدت الأزمة الاقتصادية العالمية والتطورات في الشرق الأوسط أن الولايات المتحدة لم تعد تحتل مكانتها المهيمنة السابقة في المنطقة. وتبعًا لذلك، اتخذت قرارًا بتراجع مخطط له بعناية. ولكن عندما تقرر دولة مهيمنة أن تتراجع، يتعين عليها أن تترك الأراضي التي أخلتها إلى دول صديقة، ذات قوة متوسطة على الأقل، وغير منافسة. وعلى ما يبدو، فإن تركيا كانت هي الخيار الأمريكي لوظيفة القوة البديلة.
وهذا خيار حكيم من جانب الولايات المتحدة. فبمصادقة أمريكية، أعلنت تركيا نفسها بكل ثقة صانعًا للقواعد الجديدة في الشرق الأوسط. وهذا متوافق مع الدور المحوري لهذا البلد في حقبة ما بعد الحرب الباردة، وكذلك مع مشاركتها في حروب (كوسوفا وأفغانستان وليبيا) التي قادها حلف شمال الأطلسي (الناتو). (وينبغي أن أشير إلى أن حلف شمال الأطلسي هو الآن أهم أداة للهيمنة الأمريكية العالمية، وأكثر أهمية في الشرق الأوسط وأوروبا).
وقد كان الدور التركي رئيسًا كذلك في إدراج حلف شمال الأطلسي لعضوية كلٍ من سلوفينيا والمجر وبولندا. وأصبحت هذه الإضافات الأخيرة بطبيعة الحال بمثابة وكلاء جدد لصناعة الدفاع الأمريكية. كما بذلت تركيا أيضًا قصارى جهدها في الحرب على "الإرهاب". وما قد يثير دهشة الكثيرين أن تنظيم القاعدة نفذ واحدة من أكثر هجماته دموية في العاصمة إسطنبول؛ وبالرغم من عدم تأكيد ذلك بصورة رسمية؛ فإنه من المعلوم أن برنامج وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الخاص بعمليات الترحيل الاستثنائي قد استخدم الأراضي التركية كقاعدة له أثناء نقل المشتبه بهم في قضايا "الإرهاب".
وتسلط جميع تلك الحقائق الضوء على نقطة بعينها وهي أنه: على الرغم من المحاولات المبذولة لزعم عكس ذلك، فإن تركيا قد ساندت الولايات المتحدة في جميع القضايا الرئيسية في حقبة ما بعد الحرب الباردة.
ببساطة، تكتسب حاليًا العلاقات التركية - الأمريكية وجهًا جديدًا، وفي ذلك تحول أثرت عليه التشكيلات الجديدة في الشرق الأوسط. وفي الواقع، فإن هذا الوجه الجديد من شأنه أن يخلق بعض النتائج الجدية: كأن تتسامح الولايات المتحدة مع موقف تركيا من "إسرائيل". كما سينبغي على "إسرائيل" أن تصبح قادرة على إدراك أن مكانة تركيا لدى الولايات المتحدة قد تغيرت. وستصبح تركيا أقل اهتمامًا بالاتحاد الأوروبي. وردد لصدى هذا الاحتمال أن أعلنت تركيا مؤخرًا أنها لن تعترف بقبرص كرئيس للاتحاد الأوروبي في دورته الجديدة. وهذا في الواقع إعلان شاذ بكل المقاييس الدبلوماسية السائدة. أن تملي دولة مرشحة العضوية علنًا قواعد اللعبة! فإن هذا يشير إلى أن تركيا ربما حتى تسعى لتجميد علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي.
إن السؤال الملح الآن يتعين أن يكون هو: ما هو العمر الافتراضي التقديري لهذه العلاقة التركية - الأمريكية الجديدة والتكافلية؟
تولد في الأساس اعتماد تركيا على الولايات المتحدة من خلال ثلاث حقائق واقعية وهي أن: تركيا توشك على فقدان حماسها تجاه أوروبا. وليس للاتحاد الأوروبي أجندة واضحة فيما يتعلق بتركيا؛ وفي حال استمر تراخيه على هذه الجبهة، فلن يكون أمام تركيا إلا خيار الولايات المتحدة ككفيل لمصالحها الدولية. إضافة إلى ذلك، فنظرًا إلى افتقارها إلى التكنولوجيا العسكرية الخاصة، فإن تركيا تعتمد في ذلك على الولايات المتحدة. وأخيرًا، فإن العمود الفقري للاقتصاد التركي يقوم على الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم؛ كما أن الصادرات التركية ليست منتجات فائقة التقنية ولكنها من المستوى الثاني والثالث للمنتجات الفرعية مثل الآلات والسلع المنزلية. ومثل هذا النوع من الهيكل الاقتصادي يجعل من الولايات المتحدة خيارًا إلزاميًّا بالنسبة لتركيا، وذلك لسببين وهما: أن الولايات المتحدة هي فقط من يمكنه تقديم التعاون السياسي على الرغم من فقر المشهد الاقتصادي في العلاقات الثنائية؛ كما أن تركيا في ضوء هيكلها الاقتصادي لا يمكنها أن تبلغ درجة من العلاقات المعقدة مع دول متقدمة أخرى- مثل اليابان- لكي تصعد من نفوذها الدولي. ولذلك فإن العمر الافتراضي للدويتو (الثنائية) التركية - الأمريكية سيتقرر غالبًا من خلال كيفية تطور هذه الحقائق الثلاث.
ومن ثم فإن تلك الحقائق إذا ما ظلت تفرض نفسها على تركيا بصورتها الحالية، فإننا سنستمع في المنطقة إلى موسيقى الدويتو التركي - الأمريكي.
-------------------------------------------------
*جوخان باسيك: أستاذ العلاقات الدولية بجامعة "زيرف" بتركيا.