مصر.. الإخوان المسلمون والمواجهة القادمة ـ1

إيريك تراجر*
ترجمة: مركز الشعلة للأبحاث والنشر والترجمة
scrpt1@gmail.com
مفكرة الإسلام : سوف تعقد مصر في الأيام الأخيرة من شهر مايو انتخابات رئاسية دون أن تقتصر على مرشح بعينه لأول مرة منذ ستين عامًا تقريبًا، والتي يراها بعض المراقبين حدثًا استثنائيًا.
وتشتبه جماعة الإخوان المسلمين في تنفيذ إجراءات تخون الثورة، فبعد أن استبعدت اللجنة الرئاسية للانتخابات يوم الثلاثاء الماضي عشرة مرشحين من بينهم خيرت الشاطر القيادي بجماعة الإخوان أصبحت الجماعة على اقتناع بأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة - الذي يتولى مقاليد السلطة بمصر منذ أن تخلى حسني مبارك عن الحكم في العام الماضي - يدبر لها المكائد حتى يفسح الطريق أمام فوز مرشح لا ينتمي للتيار الإسلامي بالانتخابات، وإعادة البلاد للنظام الاستبدادي. وهو ما دفع الجماعة إلى التعهد باتخاذ كل السبل لـ"حماية الثورة"، بداية من استجماع قوتها استعدادًا لمواجهة المجلس العسكري، ومرورًا بترشيح مرشح بديل للانتخابات الرئاسية، والدعوة إلى تظاهرات جماهيرية حاشدة.
ويأتي الموقف المعادي للإخوان المسلمين تجاه المجلس العسكري في إطار التطورات الأخيرة نسبيًّا للعلاقة بين الطرفين، فمنذ أن تنحى مبارك عن الحكم، ظهرت علاقة تعاون متوازية بين الإخوان والمجلس العسكري على مدار العام الأول للثورة، فقد شرع المجلس العسكري قانونًا أجاز لجماعة الإخوان المسلمين بتكوين حزبها السياسي الحرية والعدالة مؤخرًا، والذي فاز بالانتخابات البرلمانية دون صعوبة بفضل إدارة المجلس العسكري للانتخابات. وفي أثناء ذلك امتنع التيار الإسلامي عن توجيه النقد لحكم المجلس العسكري، بل وتأييد التعديلات الدستورية في مارس ٢٠١١، والتي أضفت الشرعية لتولي المجلس العسكري مقاليد السلطة والتحكم في مسار التغيير في مصر، وحتى بعد أن تولى التيار الإسلامي إدارة الشئون البرلمانية في يناير ٢٠١٢، وتعيينه جنرالاً متقاعدًا لرئاسة اللجنة التشريعية للأمن والدفاع الوطني بالبرلمان، ومر هذا التعاون دون أدنى مشاكل إلى الدرجة التي جعلت الكثيرين أن يرجحوا وجود اتفاق مسبق لترضية كلا الطرفين والاشتراك سويًّا في إدارة مرحلة التغيير السياسي في مصر.
ومع تبادل جماعة الإخوان المسلمين العلاقة مع المجلس العسكري، إلا أن الجماعة لا تزال تشعر بالريبة منه كلما يتذكرون الماضي، فعقب ثورة ١٩٥٢ التي قام بها الضباط الأحرار تعاونت الجماعة مع قادة الجيش في أثناء مرحلة التغيير السياسي، ولكن سرعان ما انقلب قادة الجيش عليها، وحظروا وجودها، واقتادوا جميع قياداتها إلى السجون، وتخشى الجماعة أيضًا اعتزام المجلس العسكري إلى إحكام قبضته على الوضع السياسي في مصر لكي يحمي ميزاته الخاصة والتي تضمن استقلالية ميزانيته (عن ميزانية الدولة)، والتحكم في إدارة صناعات هائلة، والتي يقدرها الكثيرون بنسبة تصل من ١٥٪ إلى ٤٠٪ من حجم الاقتصاد المصري، وأحيانًا تثير تصرفات المجلس العسكري القلق بشأن غاياتها، فهو يسعي إلى التدخل بنفوذه في صياغة الدستور القادم لمصر حتى يضمن عدم المساس بأسهمه المالية، وطامحًا في اجتزاء خصوصية مستقلة بذاته، وتحميه من المساءلة البرلمانية أو المدنية.
وقد يستوعب المراقبون المخاوف الإخوانية من نوايا المجلس العسكري للاتجاه نحو الاستبداد، إلا أن ردود الفعل الأخيرة للجماعة سوف تلحق الضرر تجاه حدوث تغيير سياسي حقيقي في مصر.
وجاء تلميح أعضاء البرلمان - بفضل سيطرة جماعة الإخوان على أغلبية مقاعده - في شهر مارس إلى إمكانية الموافقة على مشروع التصويت من أجل سحب الثقة من الحكومة المعينة بقرار من المجلس العسكري، والمطالبة بحقهم في اختيار رئيس الوزراء القادم وتشكيل الحكومة، في مقدمة البوادر المشيرة إلى انقطاع العلاقة بين جماعة الإخوان والمجلس العسكري، وتجاوزًا سافرًا من السلطة التشريعية بحق المجلس العسكري الذي يملك بمفرده اتخاذ القرار بتعيين وإقالة الوزراء بموجب الإعلان الدستوري المؤقت. وفي أثناء ممانعة المجلس العسكري لطلب جماعة الإخوان بتشكيل الحكومة ضاعف التيار الإسلامي من هيمنته - بفضل أغلبيته البرلمانية - على اختيار أكثر من نصف أعضاء لجنة المائة التي ستصيغ الدستور، تاركًا ستة عشر مقعدًا فقط للعلمانيين، وخمسة مقاعد لـ"المسيحيين"، وستة مقاعد للمرأة، إلا أن جماعة الإخوان أصيبت بمزيد من جنون الارتياب بعد انسحاب ٢٠٪ من أعضاء اللجنة احتجاجًا على تصرفات الجماعة، في حين ألقت الجماعة مسئولية انسحاب الأعضاء بدافع الهجمة الإعلامية الشرسة، والضغط من جانب المجلس العسكري. بعد ذلك، شددت جماعة الإخوان من محاولاتها غير المشروعة قانونيًّا لإقالة الحكومة بالدفع بخيرت الشاطر مرشحًا رئاسيًّا باسم الجماعة؛ سعيًا للاستيلاء على السلطة التنفيذية، ومخالفًا إلى تعهدها بعدم ترشيح أحد أعضائها للدخول في سباق الانتخابات الرئاسية.
واتخذت الجماعة هذا القرار مع علمها بأن ترشيح الشاطر يواجهه عقبة قانونية صعب تجاوزها، ففي عام ٢٠٠٧ صدر حكم على الشاطر بالسجن لمدة خمس سنوات، بعد إدانته في قضية غسل الأموال والانتماء لجماعة محظورة – جماعة الإخوان - ولا يجيز القانون المصري للمدانين أن يترشحوا للانتخابات دون النظر إلى أسباب الإدانة، وحتى لو كانت بدوافع سياسية مثل قضية الشاطر؛ لذلك، جاء قرار لجنة الانتخابات الرئاسية باستبعاد الشاطر من قائمة المؤهلين لخوض الانتخابات الرئاسية القادمة، استنادًا إلى ولاياتها للقانون، فاللجنة لا تمتلك صلاحية قانونية لإبداء النظر في الأحكام المُدينة مرة أخرى، ولا تستطيع إلا الالتزام بتطبيق هذا القانون المتقادم في النهاية، وفي الحقيقة لم يكن استبعاد الشاطر قرارًا مفاجئًا للإخوان؛ فقد دفعت جماعة الإخوان بمحمد مرسي - قائد حزبها السياسي والبرلماني الأسبق - مرشحًا ثانيًا بعد مدة وجيزة من ترشيح الشاطر، وعلى سبيل الاحتياط إذا رفضت طلب ترشح الشاطر لعدم الأهلية القانونية.
ـــــــــــــــــــــــ
· إيريك تراجر زميل أيرا وينر بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى