مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

لماذا اغتالوا فرنسوا الحاج؟!

7 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

عصام زيدان

Essam_zedan30@hotmail.com

مفكرة الإسلام: كانت منطقة بعبدا شرقي بيروت، في السابعة وعشر دقائق من صباح يوم الأربعاء 12/12/2007، على موعد جديد مع كابوس الاغتيالات والعبوات الناسفة؛ حيث استهدف الانفجار هذه المرة سيارة مدير العمليات في قيادة الجيش العميد فرنسوا الحاج؛ ما أدى إلى مصرعه على الفور مع سائقه وإصابة خمسة أشخاص آخرين؛ ليتولد بذلك ومن رحم هذا الانفجار واقعًا جديدًا على الساحة اللبنانية يجر المؤسسة العسكرية إلى سجال المفخخات إلى جانب سجال الانتخابات، وإلى الحذر من عدو الداخل، بدلاً من أن يكون عينًا لمواجهة عدو الخارج.

واغتيال الحاج هو الاغتيال السياسي الثامن في قائمة الاغتيالات التي اجتاحت لبنان، منذ اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في 14 /2/ 2005، وقد أتى متزامنًا مع الذكرى الثانية لاغتيال النائب جبران تويني.

اغتيال الحاج هو الاغتيال السياسي الثامن في قائمة الاغتيالات التي اجتاحت لبنان منذ اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري

وكغيره من الاغتيالات تحوطه سحابة من الدخان الكثيف تحجب الرؤية عن الفاعل، ولكن لا شك لا تطول تلك السحب بسوادها القاتم الأهداف التي يتأبطها الهادف، وإن توارت شخصيته وتركت الجميع يدخل في دوامة الاحتمالات لمعرفته؛ فلا أحد يملك أن يخرج بنتيجة لسبب بديهي أنه لا أحد يملك المعطيات والبيانات الكافية اللازمة لإطلاق الاتهامات المحددة.

لماذا تم اغتيال فرانسوا الحاج، وما الأهداف الكامنة وراء هذا الاغتيال؟ وفي أي سياق تأتي عملية الاغتيال؟ ربما تكون هذه التساؤلات هي الأهم والأجدى بحثًا في هذا المجال بدلاً من البحث وراء السراب الأمني، وهو ما سنحاول أن نلقي الضوء عليه هنا.

سياق عملية الاغتيال وملابساتها

رئيس عمليات الجيش اللبناني فرنسوا الحاج لا صلات سياسية له تقريبًا، بل هو وبفعل موقعه الوظيفي يحصر نفسه في الجانب العسكري، ويجيد تنفيذ القرارات، ويعتبر فقط العقل المخطط للعمليات المطلوبة من الجيش والقوة المحركة للوحدات المقاتلة.

ومن المفترض بوظائفه وتوجهاته تلك البعيدة عن الخوض في لجة السياسية أن يكون من التكنوقراط الذين هم بمعزل عن التجاذبات ولغة الاغتيالات، ولكن أدوارًا مهمة في مسيرة حياته بالمؤسسة العسكرية ذات طبيعة سياسية؛ باعتباره أبرز المرشحين لخلافة قائد الجيش العماد ميشيل سليمان، بعد أن تم ترشيح الأخير رئيسًا للجمهورية، وربما يكون ذلك قد دفع بعجلة الاغتيال إليه دون غيره من السياسيين.

والظروف المحيطة بعملية الاغتيال هذه، والتي ربما تضفي طابعًا معرفيًا على أهداف الاغتيال ودوافعه تتمثل برأينا في:

أولاً: الوضع الداخلي اللبناني:

أتت هذه الضربة الموجعة والمربكة لقلب المؤسسة العسكرية وعقلها النابض في وقت تعيش فيه رئاسة الجمهورية حالة فراغ مزمن، ويتعطل فيه دور المجلس النيابي منذ أكثر من سنة، بينما لاحت بوادر توافق في سياق ترشيح قوى 14 آذار لقائد الجيش العماد ميشيل سليمان للرئاسة، ودعوتها جميع القوى إلى الالتفاف حول هذا الترشيح لملء الفراغ في قمة السلطة، وهو ما أوقع المعارضة في حرج بالغ؛ لأنها لا تستطيع الرفض المطلق لهذا الترشيح لكي لا تقف متجردة أمام قوى الجيش والشعب، ولا تستطيع القبول المطلق أيضًا باعتباره مرشحًا من قِبل عدوها اللدود قوى 14 آذار، كما أن لها سلة مطالب لم تتحقق بعد تعلقها في رقبة هذا التوافق الرئاسي، ولا تريد حلحلة الموقف دون مكاسب سياسية محددة.

ثانيًا: غياب قوى الردع داخليًا وخارجيًا

المجتمع الدولي فقد قدرته على اتخاذ موقف قوي لوقف الاغتيالات ونزيف الدم، واكتفى أيضًا بوعود وهدايا لمن يمد يد المساعدة في الحل.

برغم أن الحادثة هي الثامنة في تاريخ لبنان الحديث، إلا أن الأمن الداخلي أخفق في وضع حد لهذه الاغتيالات، كما فشل في تأمين الرموز السياسية حتى الآن؛ وهو ما دعا تيار المستقبل إلى الحفاظ على نوابه بتقييد حركتهم داخل فندق واحد؛ أملا في الحفاظ على أرواحهم من آلة الذبح المشحونة، وهو ما يعني أن الجاني قد امتلك المسرح، وأُعطي هدية على براعته في الإتقان والتخفي، وسُجن الملاحقون داخل الجدران.

المجتمع الدولي لم يكن أحسن حالاً؛ فهو الآخر فقد قدرته على اتخاذ موقف قوي لوقف الاغتيالات ونزيف الدم، واكتفى أيضًا بوعود وهدايا لمن يمد يد المساعدة في الحل، من نوعية عطايا الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الذي أبدى استعداده لزيارة سوريا إذا ما حدثت انتخابات رئاسية توافقية في لبنان وتوقفت الاغتيالات.

ولا شك أن هذه المواقف اللينة داخليًا وخارجيًا ساهمات إلى حد كبير في تهيئة المناخ الداخلي لمزيد من الاغتيالات مع "أمن السلامة" من الملاحقة.

لماذا اغتيال فرنسوا الحاج؟

اغتيال مدير العمليات في الجيش اللبناني، العميد الركن فرنسوا الحاج، له أهداف ورسائل تخص المؤسسة العسكرية ذاتها، وثمة أهداف أخرى ورسائل مغايرة للرفقاء السياسيين، ويمكن بيان ذلك كالتالي:

أولاً: رسالة الاغتيال للمؤسسة العسكرية:

1ـ الهدف المباشر

صار الحاج في نظراللبنانيين والسياسيين قائدًا مرتقبًا للجيش، بعد ترشيح القائد الحالي ميشيل سليمان لرئاسة الجمهورية، وتلك الجريمة لا شك أنها حققت هدفًا مباشرًا هو إزاحة الحاج كمرشح لهذا المنصب الأهم الآن في لبنان؛ وبالتالي وضعت المؤسسة العسكرية بهذا الاغتيال في حالة من الارتباك والترقب، بدلاً من كونها أداة كادت أن تكون فاعلة في انتشال البلاد من أزمتها الراهنة.

2ـ رسالة إلى قائد الجيش ميشيل سليمان

تلك الجريمة لا شك حققت هدفًا مباشرًا، ألا وهو إزاحة الحاج كمرشح لقيادة الجيش ـ المنصب الأهم الآن في لبنان.

في عملية الاغتيال رسالة مباشرة إلى قائد الجيش ميشيل سليمان نفسه والجيش اللبناني الذي ازداد الالتفاف اللبناني حوله، على رغم الانقسام الحاد الذي يعاني منه اللبنانيون بأن يتوقف عن أن يكون ضمانة استقرار ومبعث ثقة وصاحب وظيفة إنقاذية لبلاد لا يراد لها أن ترى النور بعد.

فالهدف الرئيس للجريمة وضع الجيش اللبناني بين خيارين لا ثالث لهما، إما التفريغ بالاغتيالات كما يحدث مع قوى 14 آذار وغيرها، وإما التطويع وترك مسار البلاد ومصيرها لمن يريد أن يعبث؛ خاصة ما يتعلق بالتوافق الرئاسي شديد التعقيد.

3ـ جر المؤسسة العسكرية لحلبة الصراع السياسي

من بين أهداف الجريمة إضافة إلى ما سبق الزج بالجيش إلى المعترك السياسي الطاحن، وتفتيت قواه وتماسكه في المواجهات السياسية الداخلية التي قسمت اللبنانيين، ودفعه إلى الانقسام على اثنين أو ثلاث أو أكثر من ذلك كحال الرقعة السياسية الهشة في البلاد.

فالمؤسسة العسكرية التي تشكّل حاليًا العمود الفقري للبنان، على ما يبدو دخلت فعليًا في دائرة الاستهداف؛ وهو ما يعني بالضرورة أن لبنان انتقل إلى أخطر وضعية له على الإطلاق، ودُفع إلى بقعة لزجة قلما يستطيع من زُج فيها أن يخرج سالمًا.

4ـ الجيش لم يعد خطاً أحمر

الرسالة شديدة الخطورة في عملية الاغتيال هذه أنها جعلت الجيش اللبناني خلف الخط الأحمر، وأنه بات مهددًا مثله مثل بقية القوى السياسية الأخرى، ولا عاصم له من الذبح بالطريقة اللبنانية، ولن يشفع له أنه المؤسسة الوحيدة القادرة على الإمساك بالبلاد من الانزلاق في الهاوية، بل ربما تكون قدرته تلك أحد الدوافع لإدخاله في دوامة العنف والتجاذبات الدموية.

الجيش اللبناني بات مهددًا مثله مثل بقية القوى السياسية الأخرى.

ثانيًا: المضامين السياسية لاغتيال الحاج

1ـ رسالة حول حدود الحركة ومساحة القرار

الرسالة السياسية المستفادة من عملية الاغتيال تكاد تكون مقروءة بصورة جلية وواضحة دون غموض، وفحواها يؤكد أن وضع لبنان سيبقى هشًا، وأنه ليس في إمكان أحد أن يختار هذا لقيادة الجيش، وذاك لرئاسة البلد دون وضع كل الأوراق في السلة وخلطها من جديد.

فهي إذن ضربة بحيث يفهم المعنيون بها حدود المسموح به من الحركة ومساحة القرار، وهو ما جاء بصورة علنية ومباشرة من خلال رئيس مجلس النواب، نبيه بري، الذي تبنّى للمرة الأولى علنًا، مطلب المعارضة بالحوار حول "السلة"، قبل انتخاب سليمان رئيسًا للبلاد، وفي عمقها رئاسة الحكومة.

2ـ تأبيد الفراغ الرئاسي وقطع الأطماع

صار قائد الجيش العماد ميشال سليمان في نظر أكثرية اللبنانيين رئيسًا للجمهورية، مرجأ إعلان فوزه رسميًا لحين استكمال بعض المشاورات حول الدستور، والرسالة السياسية الثانية في عملية الاغتيال كانت لقطع الطمع في هذا الأمل اللبناني، و"تأبيد" عملية الفراغ الحادثة في منصب الرئاسة برحيل إميل لحود في 25 من الشهر الماضي.

فعملية الاغتيال وسيلة اتُخذت لتعطيل إمكان التفاهم على رئيس الجمهورية المقبل، وإيجاد جو من التوتر يحول دون انتخابات رئاسية، ورسالة واضحة المضمون إلى قوى 14 آذار برفض مرشحها العسكري للرئاسة.

فهذا المنصب عند أولئك الخصوم الأشباح رهن تمرير المطالب، ولن تفلح أيه محاولات لتعبئته حتى ولو بقيادة الجيش إلا من خلال الموافقة على "سلة المرحلة".

المعركة ليست معركة رئاسة عابرة للجمهورية، ولا تعديل دستوري مُعوق، بل معركة مصير الدولة اللبنانية الذي تريد قوى داخلية خطفه وتسييره لصالح أطراف خارجية معلومة، وفي سبيلها لذلك قد تقطع الطريق وتدخن الإطارات؛ ليرتفع الدخان الأسود فتتوارى وراءه لتنفيذ عملياتها الإجرامية.. ولن تنتهي.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 14 ديسمبر 2007
  1. البوسنة تطرد جزائريًا تحت ذريعة المخاوف الأمنيةأقدمت السلطات في البوسنة والهرسك على طرد مواطن جزائري ـ بريء ـ من البلاد؛ بحجة أن استمرار وجوده يشكّل تهديدًا للأمن القومي. وذكرت صحيفة "نيزافيسن نوفين" أن السلطات الأمنية البوسنية ادعت أن المواطن الجزائري، البالغ من العمر 37 عامًا، تورط فيالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  2. مسئول صومالي: 80% من البلاد خارج السيطرة والمحاكم تستعيد قوتهامفكرة الاسلام: يتوقع مسئولون صوماليون أن تشن المحاكم الإسلامية التي أعادت تجميع صفوفها هجوما واسعا على القوات الحكومية والقوات الإثيوبية التي تدعمها, وذلك في وقت اشتدت فيه حدة العنف في العاصمة مقديشيو وخلفت أحدث موجة عنف فيها نحو 17 قتيلا. العالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  3. اتفاق بين أكبر جماعتين مسلمتين جنوب الفلبين على تسوية خلافاتهمامفكرة الاسلام: أعلن ناطق باسم إحدى أكبر الجماعات الإسلامية جنوب الفلبين أن اثنتين من كبرى الجماعات المسلمة الساعية للاستقلال قد اتفقتا على حل الخلافات العالقة بينهما، والعمل سويًا من أجل تحقيق الاستقرار والتقدّم في منطقتهما. محاولة صياغة خطآسيا واستراليا · 1 د قراءة
  4. لأسباب تتعلق بـ"عمليات احتلالية".. الانتحار بين الجنود الأمريكان وصل ذروته خلال 2007مفكرة الاسلام: كشفت مصادر عسكرية أمريكية أن حالات الانتحار بين الجنود الأمريكيين قد تكون وصلت ذروتها خلال العام 2007 الجاري، الذي يُعتقد أنه شهد أكثر من 105 حالات انتحار لجنود في الخدمة بالجيش الأمريكي . وأكد مسئولون كبار في وزارة الدفاع "االأمريكتان · 3 د قراءة
  5. الاتحاد الأوروبي يؤجل الوضع النهائي لكوسوفا إلى أوائل الربيعمفكرة الاسلام: صرح أولي رين مفوض توسيع العضوية في الاتحاد الأوروبي بأن إيجاد حل لمشكلة الوضع النهائي لكوسوفا سيتأجل حتى أوائل الربيع. ويأتي هذا التصريح بعد يوم من إعلان جمهورية صربيا عن انتخابات رئاسة هامة في 20 من يناير القادم. وقال رين لصأفريقيا وأوربا · 1 د قراءة
  6. مقتل أربعة من الشرطة في هجوم على دوريتهم جنوب شرقي الموصلمفكرة الاسلام: ذكر مدير غرفة عمليات نينوى أن أربعة من عناصر الشرطة لقوا مصرعهم في هجوم مسلح على دوريتهم جنوب شرقي الموصل, موضحا اعتقال 15 شخصا على خلفية الحادث. وقال العميد محمد الوكاع: إن مسلحين مجهولين يستقلون سيارة هاجموا دورية شرطة مكونالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: لماذا اغتالوا فرنسوا الحاج؟!