اغتيال الحاج والرسالة الخطأ

حسن الرشيدي
istratigi@hotmail.com
مفكرة الإسلام: مع اقتراب لحظة الحسم في الصراع الأمريكي الإيراني تشهد منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام سباقا سياسيا محموما للتنافس على كسب أكبر قدر من الأوراق واللعب بها تمهيدا لحسم هذا الصراع مع نهاية الربيع القادم وقبل دخول الانتخابات الرئاسية الأمريكية مرحلتها النهائية.
وتتعدد أوراق هذا الصراع فهناك البرنامج النووي الإيراني الذي يمثل تحديا كبيرا لأمريكا التي تقوم إستراتيجيتها النووية على مبدأ عدم امتلاك دولة أسلحة نووية فما بالك إذا كانت التي تريد امتلاك هذا النوع من السلاح هي إحدى دول الشر في المفهوم الأمريكي.
| تاريخ لبنان كله عبارة عن توازنات بين الطوائف المختلفة ويحدث الخلل في هذا التوازن عند وجود صراع إقليمي أو دولي يترجم إلى صورة نزاع سياسي ملتهب قد يصل إلى اندلاع حرب |
وهناك ورقة العراق والفشل الأمريكي في إخضاعه نتيجة عوامل منها التغلغل الإيراني خاصة في الجنوب الشيعي ودعم إيران لعض مجموعات المقاومة.
وتوجد أيضا الورقة الفلسطينية والدعم الإيراني لجماعات المقاومة وتبنيها الإعلامي لقضيتهم.
وتمثل لبنان نقطة تلاقي لأدوات هذا الصراع نظرا لأن لبنان يعتبر الخاصرة الضعيفة في المنطقة لأسباب كثيرة منها:
هشاشة النظام السياسي القائم على توافق الطوائف المتعددة فهناك الإسلامي والمسيحي وتتعدد المذاهب داخل هذين العنوانين الرئيسيين فضلا عن أن كل طائفة تموج بالعديد من الجماعات والقوى السياسية داخلها.
والعامل الثاني الذي جعل لبنان يمثل النقطة الأضعف في أوراق الصراع الأمريكي الإيراني هو التدخلات الإقليمية والدولية وارتكان كل طائفة أو مجموعة سياسية إلى قوة إقليمية أو دولية ترتهن أمرها عندها في صراعها السياسي الداخلي .
وتاريخ لبنان كله عبارة عن توازنات بين الطوائف المختلفة ويحدث الخلل في هذا التوازن عند وجود صراع إقليمي أو دولي يترجم إلى صورة نزاع سياسي ملتهب قد يصل إلى اندلاع حرب بين الطوائف وحتى داخل الطائفة الواحدة كما حدث عام 1975.
لذلك عند تحليل أي ظاهرة سياسية لبنانية يجب البحث في الدوافع الخارجية في المقام الأول أثناء فك لوغاريتمات الوضع الداخلي في لبنان وتعقيدات الخلافات الطائفية والسياسية.
وكان لابد من هذه المقدمة لفهم الدوافع وراء اغتيال فرانسوا الحاج قائد العمليات في الجيش اللبناني.
فهناك تفاعلات في الداخل اللبناني بلغت ذروتها مع وصول الاستحقاق الرئاسي إلى الفراغ حتى بعد التوافق على رئيس معين ولكن آليات انتخابه لم يتم التوافق عليها بين الفريقين المتناحرين على الساحة اللبنانية وهما: فريق الرابع عشر من آذار ويضم السواد الأعظم من أهل السنة وفريق من الموارنة وغالبية الدروز وبعض القوى السياسية الأخرى وهذا الفريق مدعوم من الولايات المتحدة وفرنسا والدول العربية المعتدلة وعلى رأسها مصر والسعودية والأردن أما الفريق الآخر هو تحالف الثامن من آذار ويضم غالبية الشيعة وفريق من الموارنة على رأسهم ميشيل عون وهذا لفريق تؤيده كل من سوريا وإيران.
| من المعروف أن الجنرال ميشيل عون هو رجل يطمح في الرئاسة ومستعد في سبيل ذلك أن يضحي بكل شيء حتى ولو كان ذلك على حساب تاريخه السابق |
ووصل نقطة الخلاف بين الفريقين حول انتخاب الرئيس بعد أن توافقا على اسم قائد الجيش ميشال سليمان إلى آليات اختياره حيث يصر الأكثرية على ضرورة أن يتم انتخابه عبر الحكومة بينما يرى المعارضون أن الحكومة غير شرعية بعد انسحابهم منها وفي النهاية تم تصعيد ميشيل عون ليكون في واجهة المفاوضات مع الفريق الآخر فيما يعتبر أنه إفشالا للمفاوضات بين الطرفين وتعطيلا لانتخاب الرئيس.
وفي هذا المقام يحضر سؤال هام لماذا عون ؟
من المعروف أن الجنرال ميشيل عون هو رجل يطمح في الرئاسة ومستعد في سبيل ذلك أن يضحي في سبيل ذلك بكل شيء حتى ولو كان ذلك على حساب تاريخه السابق ونسيان عدوه اللدود وهم السوريون فمن المعروف أن سوريا الأسد هي التي قاتلت عون بعد أن استولى على حكم لبنان في خضم الحرب الأهلية وتحالف عون حينئذ مع خصم الأسد صدام حسين الذي زوده بالسلاح وانتهى عون عندما دخل صدام الكويت وتحالف الأسد مع أمريكا التي أعطته في المقابل الضوء الأخضر لحكم لبنان وإنهاء عون الذي اختبأ في السفارة الفرنسية وقتها ومنها إلى باريس حيث تحول إلى خصم شرس لسوريا ولكن بعودته مرة أخرى إلى لبنان تحالف مع حزب الله والسوريين في وجه الفريق الآخر نظير ترشيحه لرئاسة لبنان ويبدو أن عون يقرأ الخريطة السياسية للمنطقة ولبنان حيث يرى أن الوضع اللبناني سيتحدد على ضوء ما يسفر عنه الصراع الأمريكي الإيراني ويراهن على نجاح الإيرانيين في صراعهم ذلك حينئذ ينصبونه على رأس لبنان وفي الواقع إذا نجح هذا السيناريو فإن الشيعة سوف يحكمون لبنان حقيقة ويكون عون مجرد واجهة ودمية في أيديهم.
من يراقب الوضع الدولي حول لبنان يجد انقلابا كبيرا علامته حدثان رئيسان هما مؤتمر أنابوليس واغتيال الحاج:
| من يراقب الوضع الدولي حول لبنان يجد انقلابا كبيرا علامته حدثان رئيسان هما مؤتمر أنابوليس واغتيال الحاج |
ففي أعقاب مؤتمر أنابوليس حدث توافق بين المعارضة وأكثرية على شخص قائد الجيش كرئيس الأمر الذي فسره المراقبون على أن التحالف الغربي والتحالف السوري الإيراني على وشك الاتفاق على القضايا بينهما خاصة بعد صدور تقرير المخابرات الأمريكية والذي يقول أن إيران قد توقفت عن برنامجها النووي والذي يبدو أنه كان رسالة أمريكية إلى التحالف السوري الإيراني بأن الولايات المتحدة مستعدة للاتفاق والصفقة ولكن هذه الرسالة كانت غير كافية لهذين الدولتين للاطمئنان وربما أنهما قد فهما أن الولايات المتحدة قد أصابها الضعف وأنها مستعدة للتنازل للخروج من ورطتها العراقية فكان التشدد من حلفاء سوريا وإيران في لبنان من عودة الإشتراط لإنتخاب سليمان قائد الجيش حل جميع الموضوعات العالقة بين المعارضة والأكثرية الأمر الذي رفضته الأكثرية فكان الرد بقتل فرانسوا الحاج لتذكير الأكثرية بالإغتيالات السابقة وأنهم في وضع ضعف وأن حلفاءهم الربيين في موف ضعف في المنطقة.
هنا سارع الغرب بالرد فكانت تهديدات الرئيس الفرنسي ساركوزي الأخيرة تجاه المعارضة اللبنانية وأعقبها زيارة مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية ديفيد وولش للبنان لتأكيد دعم الغرب مرة أخرى للأكثرية اللبنانية.