مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

ما سر إقالة فالون؟!

8 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

مفكرة الإسلام:العسكريون غالبًا لا يقررون الحرب بل ينفذون الأوامر بخوضها، والعسكري يصبح مزعجًا عندما يرفع يده عن الزناد ويدخلها في ملفات السياسة كي يدعو إلى استبعاد طبول الحرب وتقديم الحلول الدبلوماسية على ما سواها.

ويبدو أن عناصر هذه المعادلة توافرت في قصة استقالة الأدميرال وليام فالون في الحادي عشر من مارس الحالي، من منصب قائد القيادة المركزية الوسطى, على خلفية الجدل الذي أثاره مقال نشر أخيرًا في مجلة "اسكواير" الأمريكية، وقال فيه كاتبه: إن فالون بات يكرر انتقاداته لإدارة بوش علنًا، فيما يتعلق بالسياسة الأمريكية إزاء إيران، وإنه يعارض صراحة توجيه ضربة عسكرية لهذا البلد.

وفي هذا التقرير الإخباري سنتناول سجل فالون المعارض للإدارة الأمريكية, ثم محاولة للاقتراب من فهم طبيعة الاستقالة وهل هي كذلك أم إقالة مهذبة, والسر الكامن وراءها؟!

فالون سجل طويل من المعارضة:

موقف فالون الذي عبرت عنه مجلة "اسكواير" كمعارض لإدارة بوش حول توجيه ضربة عسكرية لإيران، ليس الأول من نوعه, بل هو حلقة أخيرة من سلسلة طويلة من المواقف المتعارضة, يضاف إلى دعوته تخفيض عدد القوات الأمريكية في العراق وإلى تسريع وتيرة الانسحاب.

فسجل الأدميرال طويل, نجد خيطه الأول في 13 سبتمبر الماضي على شاشة قناة الجزيرة، وفي وقت ارتفع فيه وقع طبول الحرب، قال في "لقاء اليوم" في نقد واضح للإدارة الأمريكية: "هناك حديث كثير عن الحرب, وليس هناك حديث كافٍ عن قدم الأمور في هذه المنطقة للاعتناء بالحاجات الملحة التي لدى الناس, (...), يذهلني القرع المستمر للطبول, فالصراع ليس مفيدًا للناس, وآمل أن نتحرك إلى أشياء تكون أكثر بنائية في هذه المنطقة", معلنًا أنه سيعمل من أجل إقناع إيران بالعدول عن سياساتها وبالعمل "بتوجه إيجابي كي ينتهي هذا القلق".

وفي سبتمبر الماضي قالت صحيفة واشنطن بوست: إن الأدميرال فالون يعتقد أن زيادة عدد القوات "غير ناجعة", وهو موقف معاكس تمامًا لرأي الإدارة الأمريكية.. وفي فبراير الماضي ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن فالون أيد استئناف سحب القوات الأمريكية من العراق لتخفيف الضغوط الضخمة على الجيش الأمريكي.

وفي حديث لقناة ABC التليفزيونية في رحلة قام بها إلى أفغانستان أشار فالون إلى أن الولايات المتحدة قد تكون قد انشغلت عن زيادة العمليات المسلحة في تلك البلاد بسبب العراق.

وفي يناير عام 2007 خلال جلسة استماع لتأكيد تعيينه أخبر مجلس الشيوخ أن الولايات المتحدة بحاجة لاستنفاد كافة الخيارات الدبلوماسية في خلافها مع إيران.

ثم كانت القشة التي قصمت ظهر البعير تحقيقًا شخصيًا عن فالون في مجلة "إسكوير", ففي المقال الذي كان بعنوان "رجل بين الحرب والسلم" قالت المجلة: إن فالون لا يبدو أبدًا كمؤيد لسياسات الرئيس الأمريكي جورج بوش في منطقة الشرق الأوسط.

فالون.. استقالة أم إقالة؟!

هناك عدة روايات في هذا الشأن:

1ـ المستوى الرسمي:

على المستوى الرسمي نفت الناطقة باسم البيت الأبيض أن يكون فالون أرغِم على الاستقالة بسبب معارضته سياسة بوش حيال إيران, كما عدها وزير الدفاع روبرت جيتس استقالة, وقال: إن الربط بينها وبين السياسة الأمريكية حيال إيران "أمر سخيف".

وعلى الرغم من إصرار البنتاجون والبيت الأبيض على "استقالة فالون"، إلا أنه لا أحد يستطيع تصديق هذه الأخبار، فعادة ما تعلن استقالة العسكريين قبل أشهر من إخلائهم لمناصبهم لتتاح الفرصة أمام الإدارة للترشيح، ومن ثم اختيار بديل يطرح على الكونجرس للموافقة عليه، ولكن أن تعلن استقالة فالون ويترك منصبه خاليًا سوى من نائبه كبديل مؤقت إلى حين ترشيح شخص آخر، فالأمر يبدو غير طبيعي وسابقة في تاريخ البنتاجون.

2ـ المحللون السياسيون:

يكاد يجمع المحللون السياسيون على أن فالون أرغم على ترك منصبه بعد اتساع هوة الخلاف بينه وبين إدارة الرئيس جورج بوش، فبينما يلوح الأخير ومساعدوه بالقوة في وجه الخصوم وخاصة إيران يفضل فالون السير إلى أبعد حد في رفع راية الدبلوماسية والحوار.

وأكدوا أن استقالة فالون جاءت بطلب "مباشر" من البيت الأبيض, وإن إعلان تقاعده "إجراء تأديبيًا" له بقرار من الرئيس بوش, وترحيب من البنتاجون، حيث درج العرف والتقاليد العسكرية على ألا تخرج مناقشات الغرف المغلقة والإدارة العليا حول إستراتيجية الدولة العسكرية وخططها للملأ، ومن ثم فقد اعتبر جانب من رجال البنتاجون تسريب أمر معارضة فالون لتوجهات إدارة بوش نحو إيران وتأهبها، وإن كان يندرج تحت مسمى "الاستعداد لمواجهة عسكرية" قد تحدث ضد إيران، خرقًا للتقاليد العسكرية الصارمة، وبالتالي فقد اعتبروا أن فالون قد تعمد العصيان.

3ـ مجلة "اسكواير":

مقال مجلة "اسكواير" يقدم صورة واضحة لخلفية الإقالة, وترجح أنها كذلك وليست استقالة, وقالت في تقريرها: إذا كان رئيس فالون الرئيس جورج بوش يتحدث بانتظام عن الحرب العالمية الثالثة، وإذا كانت إدارة بوش تصور الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد على أنه هتلر هذا القرن، فإن فالون اتخذ موقفًا مغايرًا، وهو ما يشكل استفزازًا بالنسبة للمحافظين الجدد والرئيس بوش.. وتساءلت "اسكواير" قائلة: "كيف حصل إن نجا فالون بنفسه بعد أن تحدى قائده الأعلى بمثل هذه الصراحة"؟! أجابت المجلة بنفسها على سؤالها بالقول: الجواب هو أنه قد لا ينجو لوقت طويل بعد الآن، (المقال قبل الإقالة) فالرئيس بوش ليس معتادًا على رؤية أحد مرءوسيه وهو يعبر عن رأيه بحرية كما فعل فالون، ومن الممكن أن الكيل طفح بالرئيس.

4ـ رأي فالون:

أما فالون نفسه، فلم يعلق حتى الآن علنًا على الجدل المتصاعد, وبرر فقط استقالته خلال مؤتمر صحافي في واشنطن بالقول: إن مقالات صحافية حديثة العهد تشير إلى خلاف بين آرائي وأهداف السياسة التي يتبعها الرئيس أدت إلى إرباك في مرحلة حرجة وعرقلة جهود القيادة في المنطقة.. وإلى حين يخلع نهاية هذا الشهر بزته العسكرية لن يستطيع التحدث صراحة وربما سريعًا عن الحقيقة كاملة.

ما مغزى استقالة القائد العسكري؟!

ما مغزى استقالة القائد العسكري الأمريكي في أشد المناطق توترًا واضطرابًا في العالم قبل الوقت المقرر له بفترة طويلة؟! هذا هو السؤال الأهم, وتتلخص الإجابة عنه في عدة نقاط:

1ـ بوش يثمن الولاء أكثر من أي خصلة أخرى:

جاء فالون على خلفية رحيل جون أبي زيد عن قيادة القوات المركزية في شهر مارس 2007 ليكون بذلك أول ضابط بحرية يتولى هذا المنصب, وهو معروف في الأوساط العسكرية الأمريكية بانتمائه القوي للمؤسسة العسكرية وقدرته على القيادة وصراحته في الوقت ذاته على مدى 40 عامًا في سلاح البحرية، وحتى تولي منصب قائد القوات الوسطى المسئولة عن منطقة الشرق الأوسط حيث تخوض واشنطن أهم حروب القرن.

وهو بحكم موقعه العسكري, وكونه قائد القيادة العسكرية الوسطى جعله المشرف على إستراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وآسيا الوسطى, وأحد القادة العسكريين الرئيسيين في الحرب على "الإرهاب" التي أعلنها بوش, ولكن الخصال التي يقدرها الزعماء لا تتطابق دائمًا, وبعض آراء الأدميرال الصريحة بدت وكأنها تتناقض وآراء قائده الأعلى جورج بوش الذي يثمن الولاء على أيه خصلة أخرى.

2ـ فجوة بين العسكريين والسياسيين في الولايات المتحدة:

الأدميرال فالون ليس القائد العسكري الوحيد الذي استقال أو أقيل، إلا أنه بإعلانه ترك منصبه قد ألقى الضوء على اختلاف عميق بين المؤسسة العسكرية والسياسية آخر, فهذه الاستقالة في نظر أستاذ العلاقات الدولية والدراسات الشرق أوسطية في جامعة ماريموند د. غسان عايش شبانة في حديث للجزيرة نت تعكس فجوة بين العسكريين والسياسيين في الولايات المتحدة, ففي الوقت الذي يريد فيه السياسيون التصعيد ضد إيران يفضل العسكريون الذين هم أدرى بتعقيدات الميدان أن تعطى الفرصة للحل الدبلوماسي والحوار.

ويصف سعد محيو هذا الخلاف بالتكتيكي وليس الاستراتيجي في صحيفة الخليج فيقول: الأدميرال لم يعرف عنه أبدًا أنه من الحمائم، ولا هو بالتأكيد من أنصار السلام.. إنه في النهاية صاحب الجملة الشهيرة: "كن جديًا.. هؤلاء الناس (أي الإيرانيين) ليسوا أكثر من نمل نستطيع سحقهم حين يحين الوقت".. كل ما هناك أن آراء فالون الإستراتيجية حول كيفية تحقيق السيطرة الأمريكية على الشرق الأوسط الكبير، وبالتالي، على العالم، تختلف عن تلك التي يؤمن بها المحافظون الجدد الأمريكيون ومعهم الرئيس بوش ونائبه تشيني... وهو اختلاف في الأسلوب لا الجوهر.

3ـ تكبيل الإدارة القادمة:

في رأي الأستاذ بجامعة سارة لورنس بنيويورك د. فواز جرجس، أن الإدارة الأمريكية لها خطة تحاول من خلالها تكبيل أيادي الإدارة القادمة عبر وضع إستراتيجيات في العراق وإيران وأفغانستان وباكستان، لن يستطيع المسئولون المقبلون (الديمقراطيون) الفكاك منها، وسيكونون أسرى لها, وفالون يعتقد أن التوجه المتشدد الذي تنتهجه الإدارة الأمريكية وجنوحها نحو استعمال القوة هو توجه خاطئ ولا يخدم مصالح الولايات المتحدة على المدى البعيد, ومن ثم وضع نفسه في مرمى النيران الصديقة.

وربما هذا الرأي هو ما يفسر الامتعاض الذي أبداه الديمقراطيون من إجبار فالون على الاستقالة, حيث كانت المسارعة بالإشادة به, ووصفت المترشحة الديمقراطية للانتخابات الرئاسية المقبلة هيلاري كلينتون في بيان القائد المستقيل بأنه "يمثل صوت العقل في إدارة تستخدم خطابًا استفزازيًا حيال إيران", كما سارع الزعماء الديمقراطيون داخل مجلس الشيوخ والنواب بانتقاد الإقالة, متهمين إدارة بوش بإغلاق آذانها عن سماع صوت العقل، وبأن رحيل فالون يمثل دليلاً واضحًا على رفض إدارة بوش وقلقها حيال استقلالية المتمرسين حين يعبرون بصراحة وبموضوعية عن آرائهم.

4ـ الاستعداد لإيران:

في رأي مجلة "اسكواير" أن إعفاء فالون من منصبه قبل انتهاء ولايته في الربيع المقبل، ليحل محله قائد يعتبره البيت الأبيض طيعًا أكثر, سيعني أن الرئيس ونائب الرئيس ديك تشيني ينويان القيام بعمل عسكري ضد إيران قبل نهاية هذا العام ولا يريدان قائدًا عسكريًا يقف في طريقهما.

وجاء في المقال الذي أثار الجدل: "يقول مراقبون مطلعون: إن إعفاء فالون من مهامه قبل انتهائها في الربيع المقبل، أو بمطلع هذا الصيف، لن يشكل مفاجأة، وذلك في خطوة لتعيين قائد يعتبره البيت الأبيض أكثر انصياعًا, ويعني ذلك أن الرئيس ونائبه يعتزمان القيام بعمل عسكري ضد إيران قبل نهاية العام".

ومهما يكن من أمر، فإن وليام فالون يظل أحد الشخصيات البارزة في سلسلة كبار المسئولين، الذين انفضوا من حول الرئيس بوش، بعد أن أدركوا مخاطر سياسته، وعواقبها التي لم يعد بالإمكان إخفاؤها، على واقع الحياة الأمريكية.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 15 مارس 2008
  1. رغم التكتم الإعلامي.. المقاومة بأوجادين تكبد الاحتلال الإثيوبي خسائر كبيرةأكد "محمد عبده"، عضو مجلس شورى الجبهة المتحدة لتحرير الصومال الغربي (أوجادين) ، أن قوات الاحتلال الإثيوبي تتكبد يوميًا خسائر كبيرة في الأنفس والعتاد ولكن الإعلام الإثيوبي والغربي يتكتم على هذه الخسائر. وأضاف عبده "الجبهة تخوض معارك عنيفة ضدالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  2. لمواجهة حماس.. برنامج أمريكي - أردني لتدريب قوات "فتح"كشفت صحيفة أمريكية عن برنامج أمريكي يتم في الأردن لتدريب قوات الحرس الرئاسي التابعة للرئيس الفلسطيني "محمود عباس" للسيطرة على الضفة الغربية وقطاع غزة. وأوضحت صحيفة واشنطن بوست أن برنامج تدريب وتجهيز قوات الأمن الفلسطينية الممول أمريكيًا، يوالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  3. أنباء عن اتفاق مبدئي بين حماس و"إسرائيل" بشأن تبادل الأسرىتحدثت وسائل إعلام صهيونية عن اتفاق مبدئي بين حركة المقاومة الإسلامية (حماس) و"إسرائيل" على إتمام صفقة تبادل الأسرى وإطلاق سراح 450 أسيرًا مقابل "جلعاد شاليط" الجندي الصهيوني المأسور لدى فصائل المقاومة في قطاع غزة. وأشارت هذه المصادر إلى أن العالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  4. أردوغان: محاولة إغلاق الحزب الحاكم خطوة ضد الإرادة الوطنيةقال رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان يوم السبت: "إن محاولة ممثلي ادعاء إغلاق حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يرأسه خطوة ضد الإرادة الوطنية". ونفى رئيس الوزراء التركي – بحسب رويترز - اتهامات الادعاء بأن حزبه يهدد العلمانية . وقال أردوغانأفريقيا وأوربا · 1 د قراءة
  5. إصابة مغتصب صهيوني في هجوم لكتائب القسام قرب "كيسوفيم"اعترفت قوات الاحتلال الصهيوني، بإصابة مغتصب صهيوني بجراح جراء استهداف مجموعة من الصهاينة بإطلاق نار شمالي موقع "كسوفيم" إلى الشرق من مدينة خان يونس بمحاذاة جنوبي قطاع غزة. وقالت وسائل إعلام "إسرائيلية": إنّ المغتصب أصيب بشظايا رصاصة أُطلقت العالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  6. المقاومة الفلسطينية تقصف عددًا من الأهداف الصهيونيةقصفت المقاومة الفلسطينية، اليوم السبت، عددًا من المواقع والأهداف الصهيونية وذلك بثمانية صواريخ، مؤكدة أن هجماتها هي رد طبيعي على الاعتداءات الصهيونية المتكررة على الشعب الفلسطيني. وتبنت "ألوية الناصر صلاح الدين"، الجناح العسكري للجان المقاوالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: ما سر إقالة فالون؟!