ليس صراعا تاريخيا بل هو صراع عقائدي
حسن الرشيدي
مفكرة الإسلام : تمر المنطقة العربية في هذه المرحلة بمنعطف كبير في تاريخها مرحلة تشهد تداعي بل صراع الفرس والروم على أرضها مستغلين حالة الضعف الغير مسبوق وعدم القدرة على الفعل والشلل الذي أصاب قوى الممانعة في هذه الأمة.
وتوضيح طبيعة الصراع الدائر الآن في المنطقة العربية يستلزم إعادة استرجاع الغايات والأهداف والبحث عن استراتيجيات القوى المختلفة.
والبداية في نظرنا لإحياء هذه الأمة والسير في درب الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة النظر في واقع هذه الأمة وأسباب العلة . فالذي يريد الإحاطة بأي ظاهرة اجتماعية كانت أم سياسية عليه تطبيق مقاربات متعددة وأن يصبر على سبر غور الظاهرة حتى يعرف أي المقاربات يختار ولكن المقاربة العقيدية تعطينا تصورا شبه دقيق للظواهر السياسية وخاصة عندما يعضدها المقاربات العلمية الأخرى ومنها المقاربة التاريخية ولكن يظل الأصل دائما في تتبع الظواهر ووصفها ثم تفسيرها واستخراج سننها وقوانينها مرتبط دائم بالمقاربة العقيدية.
ومن الظواهر السياسية والتي طغت بشدة على مسرح الأحداث في منطقتنا الصراع السني الشيعي فالمنهج التاريخي لا يكفي وحده لوصف هذا الخلاف أوقراءة عميقة لجذوره وأسبابه بل يمثل جانبا ضئيلا فقط في هذا الصراع الممتد.
كتب أحدهم في أحد المواقع الشهيرة على الإنترنت مقالا بعنوان( السلفيون والشيعة والذاكرة التاريخية ) يحاول فيها الكاتب اختزال الصراع بين السنة والشيعة إلى ما أطلق عليه (صراعا بين ذاكرتين اجتماعيتين متناقضتين لا تنبني أي منهما على قراءة دقيقة لوقائع الماضي بقدر ما تعتمد على خلاصات متعجلة ذات أسس واهية من المنطق وأسانيد ضعيفة من التاريخ وعلى تراكم ضخم من الأوصاف السلبية للطرف الآخر دون إنصاف أوتدقيق ).ويشرح الكاتب الفرق بين التاريخ والذاكرة الاجتماعية فعلم التاريخ يعرفه بأنه التسجيل النزيه لوقائع الحياة البشرية في سياق الزمان وتحليل معناها ومغزاها في الحاضر والمستقبل أما الذاكرة الاجتماعية فهي التذكر الانتقائي لوقائع التاريخ خدمة لغايات سياسية وأيديولوجية جماعية وبالتالي فإن الشيعة والسلفيين يبنون خلافاتهم على الذاكرة الاجتماعية المبنية على الهوى وليس على التاريخ الذي هوعلم منضبط.
ثم يعرج الكاتب إلى ضرب مثال بتاريخ صلاح الدين الأيوبي فوفقا لمزاعمه فإن السلفيين أمثال الشيخ سفر الحوالي والمؤرخ علي محمد الصلابي يعتبرون صلاح الدين سنيا سلفيا بل هوفي نظر الكاتب لم يكن سنيا بالمعنى الذي يفهمه السلفيون اليوم بل كان أشعري المعتقد حتى ليذكر السيوطي وغيره أن صلاح الدين أمر المؤذنين بإعلان العقيدة الأشعرية من منابرهم كل ليلة. كما يذكر عنه قاضيه وكاتب سيرته ابن شداد أنه كان يستمع لسماع الصوفية.ويضيف أن صلاح الدين الذي حمل راية الدفاع عنها أيام الصليبيين كان ذا عقل أشعري تركيبي ومن سوء حظ الأمة اليوم أن من يحملون راية الدفاع عنها الآن ذووعقول سلفية تبسيطية أوشيعية تبسيطية.
ويؤكد الكاتب على أن صلاح الدين ليست لديه مشكلة مع الشيعة الإمامية -وهم عامة الشيعة اليوم- بل كانت مشكلته مع الشيعة الإسماعيلية الفاطمية –ومنهم حكام مصر يومئذ- ومع طائفة الحشاشين الدموية التي حاولت اغتياله.
ويزعم الكاتب أن الشيعة الإمامية كانوا غالبية سكان دمشق وحلب أيام الصليبيين وكانوا جزءا لا يتجزأ من جيوش صلاح الدين على عكس ما تقدمه الروايات السلفية اليوم على حد زعمه.
ويقول الكاتب أن أول كتَّاب سيرة صلاح الدين هومؤرخ شيعي يحي بن أبي طي الحلبي وهورجل شديد الولاء للأسرة الأيوبية ويستمر الكاتب في مزاعمه إلى أن توصل أن صلاح الدين لم يقاتل الشيعة بسبب تشيعهم ولا تجنب قتال السنة بسبب تسننهم فقد كان الرجل عمليا ومنصفا يؤاخذ الناس بالفعل لا بالمذهب ويقدر الإخلاص للأمة والولاء لها أكثر مما يقدر التنطعات الكلامية والفقهية.
ويزعم الكاتب أن عمارة اليمني الفقيه الشاعر السنّي هوالذي قاد المحاولة الانقلابية على صلاح الدين من أجل استرداد الدولة الفاطمية الشيعية.
ثم ينتقل الكاتب إلى توضيح خلل القراءة الشيعية لتاريخ صلاح الدين الذين اتهموا هذا القائد بالغدر والموالاة للصليبيين.
ولكن ما يهمنا في هذه النوعية من الكتابة أنها تبسط الصراع الدائر منذ عدة قرون بين الطرفين وتتجاوز الخلافات العقائدية والأصولية الكبرى مثل اعتقاد الشيعة بتحريف القرآن وسبهم للصحابة واعتقادهم أن الإمامة الأصل الثاني في الإسلام بعد التوحيد وغيرها ممن ليس في المقام استقصاؤه كما أن أمثال هذه الكتابات تهمل فضلا عن ذلك الواقع السياسي للشيعة ووقوفهم في صف النصارى واليهود ضد أهل السنة والذي يقول غير ذلك فإن مثله كمثل النعامة التي تدفن رأسها في الرمال حتى لا ترى واقعها الأليم.
حتى ولو أخذنا بالمنهج التاريخي فإنه لا يعقل أن نغفل تاريخ الصراع بين السنة والشيعة الذين وقفوا دائما في خندق أعداء الإسلام لنجتزئ منه عصرا معينا ونسقطه على أنه المنهج التاريخي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وحتى هذا العصر فإن كثيرا من الوقائع التي أوردها الكاتب لم يذكر مصدرها وإذ ذكر بعضها لم يوضح لماذا أخذ بها ولم يأخذ بمصادر أخرى وحتى ولوصحت بعض تلك الوقائع فإنها لا تسلم بالنتيجة التي ساقها في النهاية بأن صلاح الدين لم تكن له مشكلة مع الإمامية الإثنى عشرية !!.
نرجع ونكرر بأن العودة إلى تحرى أدوات الفقه السياسي التي تعيننا على توصيف الواقع واستنباط سننه وقوانينه لأولوية تفرضها أمثال هذه الكتابات المبسطة .