النظرة الأمريكية للسود.. ومستقبل أوباما

حسن الرشيدي
istratigi@hotmail.com
"فليلعن الرب أمريكا"
هذا قول القس الأمريكي الأسود جيرميا رايت جونيور في خطبة له عام 2003 عندما انتقد تعامل الحكومة الأمريكية مع السود من أصل إفريقي, وأضاف جونيور: الحكومة تعطيهم المخدرات وتشيد لهم السجون وتسن القوانين التي تنص على فرض أحكام طويلة على الذين يدانون في ثلاث جرائم, وتريد في نفس الوقت أن نغني لها: بارك الله في أمريكا. لا لا لا.. لعن الله أمريكا.. لعن الله أمريكا لأنها تعامل مواطنينا وكأنهم في درجة أقل من درجة البشر.
بهذه الكلمات المريرة والتي تعبر عن مدى ما يشعر بها الأمريكيون السود من أصل إفريقي يصرخ القس الأمريكي والذي يعتبر راعي الكنيسة التي ينتمي إليها مرشح الحزب الديمقراطي باراك أوباما, والملاحظ أن هذه الكلمات كادت أن تمر مرور الكرام ولا يسمع بها أحد, وخاصة أنها قيلت منذ ما يقرب من خمس سنوات, فلماذا الآن تثار؟!
إنها تخرج لوسائل الإعلام بفاعل مجهول ربما يكون من الحملة الانتخابية لهيلاري كيلنتون أو من المرشح الجمهوري الآخر جون ماكين اللذين استشعروا على ما يبدو خطورة المرشح الديمقراطي باراك أوباما, والذي كان قد اقترب كثيرًا من الفوز ليس بترشيح الحزب الديمقراطي فقط, بل بترشيح أمريكا كلها بالرئاسة, فربما أراد هؤلاء تذكير الأمريكان بأصل من الأصول الفكرية التي قامت عليها أمريكا.
ماذا جاء بالزنوج الأفارقة إلى أمريكا؟!
يشرح خليل الشيخة تاريخ تلك الواقعة فيقول: منذ أن حلّ الرجل الأبيض على القارة الأمريكية بحث عن جميع الوسائل لاستغلال كل ما في القارة من طاقات بشرية وطبيعية, وقد حاول ترقيق السكان الأصليين من الهنود الحمر ووضعهم في مزارع, لكنه فشل فاستعاض عنه بالزنوج الأفارقة. وترافق انتشار بريطانيا في العالم موجة كبيرة لاسترقاق الزنوج والعمل في مزارع الأوروبيين والأمريكيين؛ لأن النظام القديم الاقتصادي كان يعتمد في موارده على الطاقة البشرية في الزراعة. ولم تكن الولايات المتحدة إلا إفرازات طبيعية للتوسع البريطاني, ولذلك تجمع الرقيق بشكل مكثف في أمريكا الشمالية. ومن أجل تفسير ظاهرة غير إنسانية لجأت بريطانيا وأمريكا إلى فلسفة الطبقات والتفوق العرقي ولذلك كان من البديهي أن يصبح سادة وعبيدًا.
ويعاني السود بشكل حقيقي من التمييز العنصري والأرقام خير شاهد على ذلك التمييز وبمجرد النظر إلى الإحصائيات نرى أن السود مازالوا يعانون من نفس المشاكل التي عانى منها أجدادهم. فرغم أن 40% من مجموع الشرطة هم من السود منذ عام 1970 إلا أن الوضع لم يتغير بالنسبة للعلاقة بين السود بشكل عام وجهاز الشرطة. ومن ناحية الوظائف فنسبة بطالة السود تقدر بثلاث أضعاف البيض, ما يسوقنا إلى أن الشركات الأمريكية مازالت تحدد تعيناتها باللون والعرق.
وبالنظر إلى المدن الكبيرة نرى أن الفقر المدقع يتلبس السود أكثر من غيرهم, فثلث السود في الولايات المتحدة يعيشون تحت خط الفقر الذي سنته الحكومة. وأما من ناحية الأجور فالسود يتقاضون أجرًا أقل من البيض بمعدل 58%. هذا يعني إذا حصل الأبيض على 100 دولار, فالأسود يحصل على 42 دولار فقط. ونتيجة لهذه الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية نرى أن الكثير من السود يعيش في الشارع, ما يؤدي به الأمر إلى السقوط في الجرائم والسجن, فرغم أن السود يمثلون 15% فقط من عدد السكان, لكن في السجون يمثلون النصف أو أكثر. وبالإضافة إلى كل ذلك فإن السود تكثر فيهم الأمراض بمقدار ثلاثة أضعاف البيض.
وخلال السنوات العشر الممتدة من عام 1982 وحتى عام 1992 صدرت عدة تقارير عن هيئات رسمية أمريكية لدراسة الأوضاع الاجتماعية في أمريكا جاء في أحدها - وهو تقرير الفقر وعدم المساواة وأزمة السياسة الاجتماعية الذي صدر في أيلول 1991 - أن معدل الفقر بين السود يصل إلى 49.3% أي أن نصف السود الأمريكيين يعيشون تحت خط الفقر, وفي تقرير آخر بعنوان الجوع 1992 الصادر في عام 2001 يتحدث عن ارتفاع عدد الجياع بشكل مخيف؛ إذ إن 34 مليون شخص - معظمهم من السود ومن الهنود الحمر؛ أي من الأقليات الملونة في أمريكا - عانوا من الجوع عام 1992, وحظر التقرير من تفاقم هذه الظواهر في المجتمع الأمريكي الذي أصبح على حافة الخطر.
ومن المثير للدهشة اكتشاف أن أول قانون يطبق بشكل شبه حقيقي صادر عن الكونجرس في عام 1960, أي منذ ما يقرب من 40 سنة فقط, والذي قضى بأنه لا قيد على التصويت, وأنه من حق أي مواطن أمريكي بغض النظر عن لونه أو جنسه أو دفع الضريبة أو اختبارات القراءة والكتابة وغيرها من القيود التي أنكرت حق الزنوج في التصويت.
وبذلك نرى أن السود لا يستطيعون الانتماء الكامل إلى الأمة الأمريكية, حتى وإن كان هناك رجال في كل زمان يشذون عن هذا الوضع, فإن العبودية لم ترفض بجدية إلا اعتبارًا من منتصف القرن التاسع عشر, وكتبت ماريا نستراس: في الماضي لم يكن ينظر إلى الأسود إلا كأحد عناصر الاقتصاد الغربي بمجمله, فما هو إلا أداة أو آلة, إنهم مجرد سلعة متاع وأثاث.. إن الأسود هو بطبيعته أدنى وسيبقى كذلك أبدًا.
ولكن ما هو سبب هذه الاستحالة في الدمج الكامل للسود في المجتمع الأمريكي؟!
يرجع ميشال بوغنون في كتابه أمريكا التوتاليتارية هذا السبب إلى الأيديولوجية التي كانت وراء تأسيس أمريكا ويقول: إن فتح باب المواطنة أمام السود وكذلك أمام الهنود قد يعني إدخال مفهوم التعددية, وربما مفهوم الدرجات الذي من شأنه أن يعدل في العمق تصور الأمريكيين عن طبيعتهم كشعب مختار وعن رسالتهم ومعنى نظامهم, وهذا ما هو غريب عنهم.
وهنا مربط الفرس والتي تعول عليه هيلاري كلينتون لإسقاط أوباما, فأوباما يتمتع بشخصية جذابة صادقة, ويعرف جيدا كيفية تحريك الكتل الانتخابية للتصويت لصالحه, أي أنه يفهم إلى حد كبير كثيرًا من أصول اللعبة الانتخابية الأمريكية, ما يصعب على الناس بصفة عامة رفضه ولذلك لجأ أعداؤه إلى الأساليب القذرة ومنها تذكير الناس بأصوله الإسلامية وجذوره الإفريقية.
وحيث إن تداخل العامل الديني في النظرة إلى الإسلام والسود عند الأمريكان فكان من السهل على كلينتون وماكين التقليل من شأن أوباما والحط منه, وهذا ما أتى ثماره مما ظهر في استطلاعات الرأي الأخيرة: فقد أظهر استطلاع لمعهد غالوب تخلف شعبية أوباما عن شعبية هيلاري للمرة الأولى منذ مطلع فبراير الماضي, إذ حصلت هيلاري على 49% مقابل 42% لأوباما, كما تشير استطلاعات رأي أخرى إلى أن ماكين سيفوز ضد كل من هيلاري أو أوباما لو أجريت الانتخابات الآن.
وتبدو إستراتيجية أوباما للخروج من هذا المستنقع بإستراتيجية ذات شقين, ففي البعد الإسلامي ينفي بشدة أي انتماء له للإسلام من قريب أو من بعيد, ويبالغ في تحيزه لإسرائيل والتعاطف معها, أما في الجانب العنصري العرقي فهو يذكر الأمريكان من طرف خفي وبطريق غير مباشر بالماضي والحاضر العنصري في التمييز ضد الأمريكان, وأن أمريكا أمامها فرصة حقيقية إذا أرادت إثبات أنها بلاد حرة بحق لا تميز بين أعراقها وأديانها, ولعل تصريح زوجة أوباما يدخل في هذا الاتجاه عندما قالت: إنها تشعر بالفخر المرة الأولى ببلادها ليس فقط لأن أوباما يحقق نتائج جيدة, بل لأنالشعب متعطش فعلاً للتغيي.