نجاح صفقة الأسرى الفلسطينيين.. وإحياء خيار المقاومة

مفكرة الإسلام : أعرب محللون سياسيون عن قناعتهم بأن نجاح صفقة تبادل الأسرى بين "إسرائيل" وحركة حماس الفلسطينية والتي تم بموجبها إطلاق سراح ألف من الأسرى الفلسطينيين مقابل الإفراج عن الجندي "الإسرائيلي" جلعاد شاليط – يمثل دفعة قوية لحركة حماس ويؤيد خيار المقاومة كآلية مؤثرة في استعادة الحقوق وإنجاز الأهداف الوطنية الفلسطينية، وهو ما يعني بطبيعة الحال أن معسكر الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي يراهن على خيار التفاوض تعرض لهزة قوية.
وفي محاولة منه لتجميل صورته في الداخل الفلسطيني أعلن عباس أنه عازم على تصعيد مساعيه الدبلوماسية الهادفة إلى إعلان الدولة الفلسطينية عبر الأمم المتحدة، وهو ما قد يؤدي إلى مزيد من التوتر بينه وبين كل من واشنطن وتل أبيب.
ورأى المحللون أن صفقة تبادل الأسرى الكبيرة بين "إسرائيل" وحماس ستسمح لحركة المقاومة الفلسطينية بأن تعتمد في الفترة المقبلة على دفعة شعبية قوية تساندها على صعيد تحقيق هدفها الأساسي في هذه المرحلة والمتمثل في إعادة بناء قطاع غزة الذي دمرته آلة الحرب "الإسرائيلية".
وتمثل هذه الصفقة في الوقت نفسه محطة فارقة بالنسبة لـ"إسرائيل" نظرًا لأن حماس بإفراجها عن شاليط المحتجز لديها منذ أكثر من خمس سنوات ستستعيد 1027 أسيرًا فلسطينيًّا، وهو أكبر ثمن تدفعه "إسرائيل" منذ صفقة عام 2008 عندما وافقت على إطلاق سراح خمسة أسرى لبنانيين مقابل رفات جنديين "إسرائيليين" محتجزين لدى جماعة "حزب الله" اللبنانية.
ويرى منتقدو السلطة الفلسطينية أن هذا الإنجاز الذي أحرزته المقاومة الفلسطينية يتفوق بكثير على كل ما نجحت آلية التفاوض في الوصول إليه عبر سنوات طويلة من اللقاءات والحوارات والجهود الدبلوماسية، مؤكدين أن "إسرائيل" هي الطرف الذي لا يتنازل إلا بمنطق القوة وتبادل المصلحة.
ويقول المحللون: إنه حتى حلفاء الرئيس عباس لا يخفون قلقهم البالغ من تأثير صفقة تبادل الأسرى على ارتفاع أسهم القوى التي تعتمد على خيار المقاومة المسلحة ضد "إسرائيل" في مقابل إستراتيجية النضال السلمي عبر موائد المفاوضات، وهو ما يشكل ضربة قوية ومركزة للتحركات الدبلوماسية المكثفة التي دفع عباس في اتجاهها مؤخرًا من أجل الحصول على اعتراف دولي بالدولة الفلسطينية.
ويقول محلل سياسي مقرب من السلطة الفلسطينية: إن هذه الصفقة ساهمت في رفع أرصدة حركة حماس داخل الشارع الفلسطيني وأعادت خيار المقاومة المسلحة على السطح، مبديًا تخوفه من أن يكون الجمهور الفلسطيني قد فهم إتمام هذه الصفقة على نحو يجعله أكثر ميلاً وتعاطفًا مع الحركات المسلحة.
وعلى الرغم من أن "عباس" وفريقه يحاولون الترويج لفكرة أن العمل المسلح لا يمكن أن يحقق للشعب الفلسطيني أهدافه ومن ثم تمارس الأجهزة الأمنية الفلسطينية حملات قمع وتضييق بالتنسيق مع قوات الاحتلال "الإسرائيلية" في الضفة الغربية، إلا أن المواطن الفلسطيني يرى بعينيه أن محادثات السلام مع "إسرائيل" دائمًا ما تصل إلى نهايات مسدودة بينما تزداد المستوطنات توسعًا على الأرض وتختزل الأراضي الفلسطينية يومًا بعد يوم للدرجة التي قد تجعل من إعلان قيام دولة فلسطينية أمرًا بلا معنى.
وأكد المحللون أن نجاح صفقة تبادل الأسرى يثير شكوكًا ضخمة حول الدور الذي تمارسه السلطة الفلسطينية في محاولتها لكسب اعتراف من الأمم المتحدة بقيام دولة فلسطينية على حدود 1967.
لقد حصلت مبادرة الرئيس عباس في البداية على دعم واسع من قبل الفلسطينيين الذين رأوا في موقفه المصر على انتزاع اعتراف بالدولة الفلسطينية تحديًا لواشنطن وتل أبيب، لكن على أرض الواقع كان أول رد فعل هو الضغط الاقتصادي الذي مورس ضد الجانب الفلسطيني حيث جمدت الولايات المتحدة المساعدات التي كانت تبقي الاقتصاد الفلسطيني في حالة معينة دون الانهيار على مدى السنوات الأخيرة.
ويرى قطاع من المحللين أن جهود الرئيس عباس أوصلت رسالة للشعب الفلسطيني أنه حتى مع اتخاذ مواقف سياسية حاسمة لا تقبل المساومة من أجل نيل أحد الحقوق المشروعة ستكون العواقب المترتبة على ذلك مؤلمة وتمس حياة المواطنين الفلسطينيين، وهو ما يعني أن الميزة التي كانت تروح لها السلطة الفلسطينية في تفضيلها لخيار التفاوض على خيار المقاومة المسلحة والمتمثلة في أن خيار المقاومة تترتب عليه آثار تضر بالشعب الفلسطيني لم تعد ميزة نسبية لخيار التفاوض في الوقت ذاته.
ويقول المحللون السياسيون: إن الشعب الفلسطيني بات يدرك أنه في كل الأحوال عندما يكون مصرًّا على انتزاع حقوقه المشروعة سيكون عليه أن يدفع ثمنًا لهذا الموقف سواء كان أسلوب النضال سلميًّا أم مسلحًا.
لكن في الوقت ذاته تجد حماس نفسها أمام موقف صعب لأنها تعهدت بالعمل على مواصلة الطريق لإطلاق سراح مزيد من الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال باستخدام أساليب مشابهة لأسلوب الهجوم الذي أسفر عن أسر الجندي شاليط عام 2006، بينما تجد الحركة نفسها في الوقت ذاته محملة بمسئوليات أخرى ترتبط بجهود إعادة بناء غزة وعدم المجازفة بالتعرض لعملية عسكرية كبرى مثل تلك التي وقعت في أواخر عام 2008 وبداية 2009.
وكذلك في الوقت الذي تسعى فيه حماس لصياغة علاقات أكثر قوة مع مصر في مرحلة ما بعد ثورة يناير وتترقب تطورات الأوضاع في سوريا واحتمالات نقل قادتها في المنفى، قد لا تكون قادرة على خوض غمار تجربة جديدة بأسر جنود "إسرائيليين" آخرين لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين.
ويعتبر عدد من المحللين أن صفقة تبادل الأسرى بين حماس و"إسرائيل" أكدت للجانب الفلسطيني حقيقة أن انتزاع التنازلات من "إسرائيل" واستعادة الحقوق المشروعة قد لا يتم إلا رغمًا عن إرادتها، وهو ما يعني حتمية استمرار روح المقاومة والنضال، مشيرين إلى أن التوقيت الذي تمت فيه هذه الصفقة له دلالة خاصة لأنه يتزامن مع أكبر تحرك دبلوماسي سلمي لتحقيق هدف إعلان الدولة الفلسطينية.