مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

بانتظار خمسة مثل شاليط!

4 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

عبد الباري عطوان

بداية، نجد لزامًا علينا أن نوجه الشكر لجهتين رئيستين؛ الأولى سلاح المقاومة، والثانية الثورة الشعبية المصرية، فالفضل يعود لهما في تحقيق هذا العرس الكبير الذي سنحتفل به اليوم بفك أسر أكثر من ألف مجاهد فلسطيني وفلسطينية، كانوا جميعًا مشاريع شهادة دفاعًا عن أرضهم وكرامتهم وحقوقشعبهم وأمتهم المشروعة في التحرير واسترداد الحقوق المغتصبة.

صفقة تبادلالأسرى التي من المفترض أن تتم فجر اليوم هي أحد أبرز الانتصاراتالفلسطينية على حكومة "إسرائيلية" عنصرية متغطرسة، وتمرغ أنف رئيسها بنياميننتنياهو ووزير دفاعه ايهود باراك في التراب.

نقول ذلك لأن هذه الصفقةكسرت كل المحرمات "الإسرائيلية"؛ كسرت محرم عدم التفاوض مع الإرهابيين، والرضوخ لشروطهم التي طالما تباهى بها المسؤولون "الإسرائيليون"، وكسرت محرمعدم الإفراج عن الملطخة أيديهم بدماء اليهود، وها هي حكومة نتنياهو تفرجمكرهة عن مناضلين محكومين أكثر من عشرة أحكام بالسجن المؤبد.

هذهالتنازلات "الإسرائيلية" الكبيرة ما كان لها أن تحدث لولا المتغيرات المصيريةوالتاريخية التي تجتاح المنطقة العربية حاليًا، وتتمثل في الثوراتالشبابية العربية ضد أنظمة ديكتاتورية فاسدة، متعفنة، رضخت وعلى مدى أربعينعامًا تقريبًا للإملاءات "الإسرائيلية" والأمريكية، واعتمدت الاستجداءأسلوبًا للوصول إلى سلام مغشوش تمثل في مبادرة لم تحظ إلا بالاحتقاروالإهمال.

مصر تغيرت نحو الأفضل وبعد سنوات من القهر والفساد والإذلال، فها هي تستعيد سيادتها ودورها.. تستعيد كرامتها، وتبث الرعب في أوصالالمسؤولين "الإسرائيليين" كبارًا كانوا أم صغارًا، عسكريين كانوا أو مدنيين، فمتى كان رؤساء الوزراء "الإسرائيليون" يعتذرون لدول عربية على قتلهمجنودًا أو اجتياحهم حدودًا؟

نتنياهو يتنازل مرغمًا ويقبل بصفقة تبادل أسرى رفضها ايهود أولمرت من قبله، لأنه يدرك جيدًا أن تسونامي الثورةالمصرية غيَّر معادلات القوة والضعف في المنطقة، بما في ذلك الإطاحة بنظامحكم كان يفرش له السجاد الأحمر في شرم الشيخ، ويخر ساجدًا أمام إملاءاته.

فعندمايقتحم الثوار المصريون السفارة "الإسرائيلية" في القاهرة، ويحرقون علمها،ويبعثرون محتوياتها، ويستنجد نتنياهو بالسلطات المصرية مرعوبًا لحماية ستةمن حراسها محاصرين في دورها العلوي، ولا يجد من يجيبه أو يأخذ مكالمته، فيهرع إلى الرئيس الأمريكي باراك أوباما مستغيثًا، فهذا يعني أن مرحلةالخنوع والإذلال قد انتهت، وأن مرحلة تاريخية مشرفة قد بدأت.

لانقيِّم هذه الصفقة من منظور الأرقام ودلالاتها، ولا نتفق مع الذين يحاولونتقليص أهمية الإنسان العربي مقابل نظيره "الإسرائيلي"، والقول بأن شاليط هذايساوي ألف أسير، وإنما ننظر إليها من المنظور السياسي، والمتغيرات علىالأرض، فالأسرى العرب لا يقلون أهمية عن أي جندي "إسرائيلي"؛ لأن هؤلاء كسرواحاجز الخوف، واختاروا الشهادة، رغم معرفتهم بالخلل الفادح في موازين القوى والانحياز الغربي للظلم والعدوان، والعجز العربي، وقرروا حمل أرواحهم علىأكفهم وممارسة حق المقاومة الذي مارسته كل الشعوب الأخرى من قبلهم.. هؤلاءالذين سجلوا المثل الأعلى في الشجاعة لا يقدرون بثمن.

ندرك جيدًا أن هناك منغصات لا يمكن تجاهلها، وندرك أيضًا أن هناك تمنيات لم تتحقق،ونعترف بأننا وكل أبناء الأمة كنا نأمل أن نرى قادة المقاومة مثل مروانوعبد الله البرغوثي وأحمد سعدات أحرارًا بين المفرج عنهم. ونسلم أيضًا بأن هذه الصفقة تظل ناقصة لأن هناك أسيرات حرائر ما زلن خلف القضبان، ولكنناندرك أيضًا أن المفاوض ومهما بلغت مهارته وصموده لا يمكن أن يحصل على كلما يريد في مثل هذه الحالات، خاصة إذا كان هناك وسطاء أشقاء يضغطون،ولأسبابهم السياسية والأمنية، لإغلاق هذا الملف المزمن.

لا نضرب بالرمل،ولا نقرأ الغيب، ولكننا نستطيع أن نستنتج، وفي ظل التهديدات الأمريكيةلإيران، وبعد فبركة محاولة اغتيال السفير السعودي في واشنطن، ومخطط لتفجيرسفارتي "إسرائيل" والسعودية في بوينس ايرس فإن العد التنازلي لهجوم "إسرائيلي"عربي أمريكي على إيران قد يكون بدأ، وإن نتنياهو يريد إنقاذ شاليط وحياتهحتى تكون يداه غير مغلولتين، في حال صدر القرار بالهجوم.

من حق ألفأسرة وأكثر أن تفرح اليوم بعودة أسراها، فليس هناك أجمل من أن تعانق أمابنًا لم تره منذ سنوات، أو ابن يعانق أبًا، ابن ولد وحبا ثم مشى وراهق ثمأصبح شابًّا يافعًا دون أن يجلس على حجره أو يحظى بحنانه وقبلاته ودفءعواطفه.

نشعر بالتعاطف كله مع خمسة آلاف أسير ما زالوا خلفالقضبان، في زنازين انفرادية، ويضرب معظمهم عن الطعام هذه الأيام، احتجاجًاعلى الظروف القاسية التي يعيشونها في ظل أحكام جائرة، وعلى أيدي سجانينيمثلون أبشع احتلال في تاريخ البشرية.

لعل هؤلاء يصلون ليل نهار لأسر خمسة شاليطات جدد، حتى يبصروا نور الحرية مجددًا، ويعودوا إلى أهلهموذويهم، بعد أن تعثرت الجهود الرامية إلى الوصول إلى اتفاق سلام، يكون منضمن شروطه تبييض السجون والإفراج عن جميع الأسرى.

لا ننسى في هذهالعجالة عدة أمور لابد من التوقف عندها، وأولها الإعجاز الكبير الذي حققتهلجان المقـــاومة الشعبية في الحفاظ على سرية مكان اعتقال شاليط طوالالســنوات الخمس الماضية من أسره، واعتراف رئيس جهاز المخابرات الداخلية "الإسرائيلية" شين بيت باستحالة الإفراج عنه بالوسائل العسكرية. ولا ننسى أيضًا أولئك الذين خططوا وهندسوا عملية الهجوم غير المسبوقة على وحدة شاليط العسكرية في كرم أبي سالم، بحفر نفق تحت الأرض والوصول إليها مثل الجنوعلى رأس هؤلاء الشهيدان جمال أبوسمهدانة وزميله النيرب وآخرون.

لحظة فرح تاريخية تستحق الاحتفال وتبادل التهاني، وذرف دموع الفرح.. و"ألف مبروك للمحررين وأسرهم".

المصدر: القدس العربي

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 18 أكتوبر 2011
  1. حتى أنتي يا كوريا !كتبه للمفكرة / شريف عبد العزيز [email protected] الخبر: قامت السلطات المصرية بترحيل طالبين كوريين قاما بأنشطة تنصيرية في أوساط طلاب الجامعات المصرية لخطورتهما على أمن البلاد . التعليق كوريا وتجديد شباب النصرانية ـ ظلت منطقة شرق أسيا من مناطحدث وتعليق · 5 د قراءة
  2. صفقة شاليط.. لإضعاف عباسترجمة: مركز الشعلة للأبحاث والنشر والترجمة مفكرة الإسلام : إن صفقة إطلاق مختطف بالنسبة لقيادة ذات تصميم تشبه قطعة حلوى تنتظر على الرف، إن توقيت الصفقة بخلاف السلام وسائر الأمور متعلق بالقيادة "الإسرائيلية" وتأثر الجمهور مضمون. فما أن يُلفظ مقالات مترجمة · 3 د قراءة
  3. نائبة بحرينية تبصق في وجه زميل لها بعد أن وصفها بـ "الساقطة"ذكرت تقارير صحافية أن سوسن تقوي العضوة بالبرلمان البحريني بصقت في وجه النائب أسامة التميمي بعد أن تهجَّم عليها خارج قاعة البرلمان الثلاثاء. وقالت صحيفة "الأيام" في صفحتها على موقع "تويتر" للتواصل الاجتماعي: إن التميمي تهجَّم لفظيًّا على النالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  4. نجاح صفقة الأسرى الفلسطينيين.. وإحياء خيار المقاومةأعرب محللون سياسيون عن قناعتهم بأن نجاح صفقة تبادل الأسرى بين "إسرائيل" وحركة حماس الفلسطينية والتي تم بموجبها إطلاق سراح ألف من الأسرى الفلسطينيين مقابل الإفراج عن الجندي "الإسرائيلي" جلعاد شاليط – يمثل دفعة قوية لحركة حماس ويؤيد خيار المقمقالات وتحليلات · 4 د قراءة
  5. تقرير:"غلام شكوري" مسئول تصدير "الثورة الإيرانية" للبحرينكشفت تقارير إعلامية أن الإيراني المطلوب على خلفية تورطه في مؤامرة اغتيال سفير السعودية في واشنطن، هو المسؤول عن ملف البحرين في الحرس الثوري، والمكلف بـ"تصدير الثورة" إلى تلك المملكة الخليجية. ونشرت "العربية نت" تقريرًا على موقعها الإليكترونالعالم العربي والإسلامي · 3 د قراءة
  6. قلق أمريكي من إطلاق أسرى "خطرين" وترحيب بالإفراج عن شاليطأبلغت الولايات المتحدة الأمريكية "إسرائيل" بـ "قلقها" حيال شمول صفقة تبادل الأسرى التي أنجزت مرحلتها الأولى في وقت سابق اليوم أسرى فلسطينيين وصفتهم بالخطرين. وفي جوابه على سؤال عما إذا كانت الإدارة الأمريكية أبلغت الحكومة "الإسرائيلية" بمخاالأمريكتان · 2 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: بانتظار خمسة مثل شاليط!