ما وراء محاولة اغتيال بوتو

حسن الرشيدي
istratigi@hotmail.com
مفكرة الإسلام: "محاولة اغتيال بوتو فرصة لا تعوض".. هكذا رأت صحيفة بوسطن غلوب الأمريكية التفجيرات التي استهدفت موكب رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة بناظير بوتو وبررت الصحيفة قولها بأن التعاطف الشعبي مع ضحايا تفجيرات كراتشي والرعب الذي نجم عن جنون هذا العمل خلق فرصة ولحظة تعليمية بالنسبة لبوتو وزملائها الديمقراطيين عليهم عدم تفويتها.
وتسلط محاولة اغتيال رئيسة وزراء باكستان السابقة بناظير بوتو الأضواء على التفاعلات التي تموج بها الساحة الباكستانية وتعكس بلا ريب مدى الفوضى والاضطراب الذي يسود هذا البلد والذي لم ينعم بالاستقرار منذ استقلاله عن الهند عام 1947.
ففي ليلة الخميس الماضي وبعد ساعات من وصول بوتو إلى كراتشي بعد غياب ثمان سنوات وأثناء موكب سيرها انفجرت قنبلتان في الموكب مما أدى إلى قتل ما يقرب من مائة وخمسين شخصا وجرح المئات.
واتهم عاصف علي زرداري زوج بوتو أحد أجهزة الاستخبارات الباكستانية بتدبير التفجيرين واعتبر في تصريحات لإحدى محطات التلفزة الباكستانية أن طبيعة الهجوم تشير إلى أنه من تدبير الاستخبارات وليس من عناصر متطرفين.
وأكدت بوتو كلام زوجها السابق وقالت إن مجموعات المتطرفين لا يمكنهم العمل بدون دعم لوجستي من أشخاص في مواقع السلطة.
وأكدت بوتو جنرالات متقاعدين من أنصار الرئيس السابق الجنرال ضياء الحق بالوقوف خلف محاولة اغتيالها وكشفت إن الرئيس برويز مشرف ودولة صديقة سربا لها قبل أيام معلومات عن محاولات لاغتيالها في حال صممت على العودة إلى بلادها وشرحت بوتو ظروف عودتها وما واجهته لحظة بلحظة منذ وصولها إلى مطار كراتشي حتى الاعتداء المزدوج متهمة جهات في المدينة وأجهزة أمن رسمية بالوقوف خلف محاولة اغتيالها. وقالت: أريد معرفة سبب إطفاء الأنوار في الشارع الذي مرّ به موكبي ونفت ضلوع حركة المهاجرين القومية في مدينة كراتشي المعادية لها ولحزبها بمحاولة اغتيالها متهمة ثلاثة أشخاص مقربين من مشرف بالتورط بالتفجيرين اللذين علموا بهما مسبقاً ودعموهما عبر مواقعهم الرسمية.
وتابعت بوتو إن أجهزة الأمن انتدبت عدداً من رجال الشرطة في إقليم السند لاستهدافها في بلدتها لاركانا شمال الإقليم خلال الأيام المقبلة.
ولتحليل دوافع ما جري يجب تحليل مختلف جوانب الصراع المحلي والإقليمي والدولي في باكستان.
أولا: الصراعات المحلية في باكستان:
هناك صراع قبلي بين المقاطعات الباكستانية والتي تتكون منها باكستان فباكستان كمثال خليط من الأعراق والقوميات المتناقضة وهي تنقسم عموما إلى أربع أقاليم رئيسية بلوشستان والشمالية الغربية والبنجاب والسند وتختلط فيه الأجناس وتتفشى الروح القبلية هذا الخليط من المقاطعات الجغرافية يعاني مفارقات كثيرة فهناك مفارقة اللغة إذ يتحدث 65 في المائة من السكان البنجابية لغة إقليم البنجاب ويتحدث الأردية 20 في المائة من مجموع السكان ويتحدث السندية 12 في المائة لغة إقليم السند وتتوزع النسب الباقية علي الباشتونية والبلوشية بينما تتحدث النخب اللغة العربية إلي جانب الانكليزية.وهناك مفارقة الأقاليم وتعداد سكانها فالقوة القومية الأولي هي البنجاب إذ تشكل أكثرية قومية 60 في المائة من السكان وتسيطر علي 65 في المائة من الإنتاج الزراعي إضافة إلي احتلالها معظم المواقع السياسية والاقتصادية ولكنها تعيش في إقليم مساحته ضيقة جغرافياً والقوة القومية الثانية هي السند وتسيطر علي التجارة القديمة وبعض الصناعات الموجودة في كراتشي وتعاني مشكلة المهاجرين المسلمون الهنود الذين يشكلون الآن 50 في المائة من سكان عاصمة الإقليم والباشتون هم القوة القومية القبلية الثالثة يعيشون علي تجارة الجوار الأفغاني وتعتبر عاصمتهم بيشاور من المعابر الإستراتيجية بين البلدين ويعتبر البلوش القوة القومية القبلية الرابعة وهم علي قلّتهم ينتشرون علي مساحة تمتد علي 50 في المائة من جغرافية دولة باكستان وتعاني الأقلية البلوشية أوضاعا اقتصادية بالغة السوء انعكست علي ضعف تمثيلها السياسي في إدارات الدولة وأجهزتها ومجالسها التمثيلية والتنفيذية.
وهناك أيضا في باكستان صراع حزبي بين ثلاثة مجموعات رئيسة حزب الشعب بزعامة بوتو وحزب الرابطة الإسلامية بزعامة نواز شريف ومجلس العمل الإسلامي الموحد.
فهذه الأحزاب تتفق وتختلف حول بعض القضايا الخارجية والداخلية فحزب الرابطة الإسلامية وحزب الشعب يتفقان على استمرار السياسة الخارجية الباكستانية الحالية المتمثلة في المشاركة في الحملة الأمريكية ضد ما تسميه إرهابًا وتقديم كل التسهيلات اللازمة للحكومة الأمريكية بهذا الخصوص من القواعد العسكرية والتعاون الأمني وبقاء مكاتب الإف بي آي في باكستان وإعطائها كامل الحرية في عمليات التفتيش والقبض على كل من تتهمه بالصلة بمن تسميه الإرهابيين. ويؤيد الحزبان (حزب الشعب وحزب الرابطة الإسلامية) السياسة الباكستانية تجاه الحملة الأمريكية في أفغانستان. وليس لدى الحزبين إشكال في قبول سياسة حكومة الجنرال برويز مشرف تجاه القضية الكشميرية من التضييق على المجاهدين وإغلاق الحدود أمامهم والتوجه نحو التنازل عن الموقف التقليدي لباكستان.بينما بينما يعارض مجلس العمل الإسلامي الموحد السياسة الخارجية الباكستانية الحالية المتعلقة بالحملة الأمريكية ضد ما تسميه الإرهاب والقواعد الأمنية والعسكرية الأمريكية في باكستان. ويعتبر ذلك منافيًا لسيادة باكستان على أراضيها.
وبالنسبة للشريعة يسعى مجلس العمل الإسلامي الموحد إلى تطبيق الشريعة فوريا وبكاملها بينما يحاول حزب الرابطة سواء فرع نواز شريف أو فرع قائد أعظم جناح تطبيقها بشكل جزئي وتدريجي بينما يرفضها حزب الشعب نظرا لعلمانيته.
ثانيا: الصراع الإقليمي والدولي:
فإنه مثل الصراع المحلي تتعدد جوانبه فهناك الصراع مع الهند وذروته في قضية كشمير وهناك الصراع في أفغانستان وفي كل من القضيتين تتدخل الولايات المتحدة كلاعب فاعل في هذه المنطقة وتعتقد باكستان دائماً أن الهند لم تتقبل قط وجودها، ومن ثم كانت ترى أن الهند عازمة على إنهاء تقسيم شبه القارة؛ مما يعني ضمناً وضع نهاية لاستقلال باكستان؛ ففي عام 1964م صرح نهرو رئيس وزراء الهند حينذاك لصحيفة الواشنطن بوست أن هدف الهند النهائي هو قيام اتحاد هندي باكستاني؛ مما يعني دخول باكستان مرة أخرى تحت الهيمنة الهندوسية؛ وعليه فقد كان الهدف الجوهري لإستراتيجية باكستان الرئيسية هو مجرد البقاء في وجه منافستها الهند الأكبر منها حجماً والأكثر قدرة، والتي تريد بوضوح تصحيح الوضع القائم؛ مع الحفاظ على سلامة استقلاليتها قدر الإمكان.
وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر رفعت أمريكا على لسان رئيسها بوش شعار: (من لم يكن معنا فهو ضدنا)، وأصبح القضاء على الإسلام الجهادي هو هاجس أمريكا الأكبر وإن تبعه بعض الأهداف الأخرى وهي: احتواء الصين،والهيمنة على منطقة آسيا الوسطى، ووضع اليد على نفط بحر قزوين.
وكان لا بد من إستراتيجية جديدة في التعامل مع المنطقة، وتلخصت هذه السياسة في الضغط على باكستان لتبذل أقصى ما تستطيع للقضاء على المنظمات الجهادية في المنطقة وعلى رأسها طالبان والقاعدة والمنظمات الإسلامية الجهادية في كل من باكستان وكشمير، واتبعت الولايات المتحدة في سبيل بلوغ هذا الهدف عدة سياسات :
* استخدام الورقة الهندية والتلويح بها كلما بدا من النظام الباكستاني النكوص أو التهاون في ملاحقة الجماعات الجهادية وخاصة زعماء طالبان والقاعدة والذين بالقبض عليهم أو بقتلهم ينتهي الإحساس بالكرامة المجروحة لدى الشعب الأمريكي.
* التحذير من الاستيلاء على السلاح النووي الباكستاني عبر تسريب الأنباء في الصحف الأمريكية عن وجود قوات خاصة أمريكية تتدرب للسيطرة على مجمع كهوتا الذي يضم المفاعل النووي الباكستاني.
* التهديد بإطلاق يد إسرائيل في المنطقة.
* استخدام ورقة المساعدات الاقتصادية للضغط على باكستان.
ويبدو من هذه السياسات أن الضغط استهدف في المقام الأول باكستان باعتبارها حجر العثرة في سبيل تحقيق أمريكا لأهدافها في المنطقة؛ ولذلك فإن افتتاحية الواشنطن بوست ( 20/12/2001م ) ترى أن الخطوة القادمة في الحرب على الإرهاب يجب أن تكون في باكستان قبل العراق والصومال لمواجهة جماعات الإرهاب الباكستانية التي تتهمها الهند بالاعتداء على برلمانها. كما ترى الصحيفة
أن الهند مارست ضبط النفس بدرجة تدعو للإعجاب، وينبغي ألا يُحظر عليها ممارسة حق الدفاع عن النفس كما تمارسه أمريكا وإسرائيل.
كذلك يعتقد فريق في الإدارة الأمريكية وفي الكونجرس أن النظام الباكستاني يمارس دوراً مزدوجاً في التعامل مع الولايات المتحدة، فهو من جهة يريد إظهار نفسه داعماً للسياسة الأمريكية تجاه ما تسميه أمريكا إرهاباً، وأنه في إمكانه أن يذهب معها إلى أقصى ما تريده الولايات المتحدة منه؛ وفي نفس الوقت فإن النظام يدرك جيداً أن مصلحته الإستراتيجية في وجود طالبان والقاعدة وأنها هي الورقة التي يلعب بها؛ فإذا فقدها فإن أمريكا وحليفتها سوف تستدير عليه لتقضي على قدراته النووية، وفي هذا السياق نجد أنه في أعقاب تصريحات قادة التحالف الشمالي بأن قادة طالبان والقاعدة هربوا إلى باكستان وسارع قائد القوات الأمريكية بزيارة باكستان ليتعرف على الوضع أطلقت الهند تهديداتها وحركت جيوشها.
ومنذ سقوط طالبان والعلاقة بين نظام باكستان العسكري والإدارة الأمريكية هي علاقة القط والفأر فكلما زادت الضغوط الأمريكية على النظام الباكستاني قدم النظام قربانا تمثل مرة في القبض على زعماء القاعدة ومرة أخرى في قتل إسلاميين في اشتباكات في المنطقة القبلية أو اقتحام المسجد الأحمر وقتل المعتصمين داخله كل ذلك بهدف الشريك الأمريكي وف نفس الوقت ضمان عدم المساس بالأهداف الإستراتيجية الباكستانية والمتمثلة في النهاية في حماية طالبان لتسترد حكم أفغانستان في ظرف آخر مواتي وتأمين الجغرافيا الإستراتيجية لباكستان.
ولكن الإدارة الأمريكية تدرك هذه اللعبة الباكستانية ولذلك فقد شددت من ضغوطها الحالية على باكستان لدرجة دفعت برويز مشرف لتعديل نظام حكمه وإدخال بناظير بوتو وحزبها إلى النظام والمعروف عنه عدائه للإسلاميين وطالبان ووولائه لأمريكا.
أي أن مجيء بناظير لباكستان وإشراكها في منظومة الحكم الباكستانية شكلت ضغطا أمريكيا على برويز مشرف لإجراء تعديل في نظامه المتهم دائما بأنه يمثل سندا لطالبان وربما القاعدة فكان رد نظام باكستان هي نفس أساليبه السابقة الملتفة ومحاولة اغتيال بناظير.