وفاة الشيخ محمد عبده
مفكرة الإسلام : زعيم المدرسة الإصلاحية، والرائد الأول لفكر العصرانيين، الشيخ المفتي محمد عبده، تلميذ جمال الدين الأفغاني النجيب، وحامل فكره من بعده، ولد الشيخ محمد عبده سنة 1265هـ ـ 1849م، لأب تركماني وأم مصرية بقرية محلة نصر بمحافظة البحيرة بمصر، والتحق كعادة الأطفال في هذا الوقت بكتاب القرية لحفظ القرآن ومبادئ القراءة والكتابة، فأظهر حافظة عجيبة، إذ أتم الحفظ وهو دون السابعة، فحمله والده إلى الجامع الأحمدي بطنطا لمواصلة الدراسة، ولكن حفظ المتون والشروح أرهقه ولم يرق له ففر من الدراسة لإصرار والده عليها، فر هاربًا إلى بيت خاله الشيخ «درويش خضر»، وكان شيخًا صالحًا من أتباع الطريقة السنوسية المتأثرة بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، فهداه الله على يديه والتحق بالأزهر وظل يدرس به 12 سنة حتى تخرج فيه سنة 1282 هـ ـ 1865م، عالمًا من علمائه على عقيدة السلفية، وظل على ذلك وعمل بالتدريس بالأزهر ودار العلوم، وعمل صحفيًا في جريدة الوقائع وغيرها وظهر اتجاهه المحافظ الإصلاحي.
كان التقاؤه مع الشيخ جمال الدين الأفغاني نقطة تحول كاملة في حياته، إذ أثر فيه الأفغاني بشدة وغيّر تفكيره بالكلية، ونحا بتوجهاته الإصلاحية إلى الاتجاه المعاكس، فبعدما كان يرى محمد عبده وجوب الإصلاح بالطريقة الإسلامية المحضة، اتجه ناحية الإصلاح على الطريقة الغربية وعلى منهج الأفغاني تلك الشخصية المحيرة المتقلبة، ودعوة الأفغاني من الدعوات التي يصح أن يطلق عليها دعوة باطنية، أي لها ظاهر وباطن.
اشترك محمد عبده في الثورة العرابية ونفي بسببها إلى بيروت سنة 1300هـ فمكث بها عامًا ثم لحق بشيخه الأفغاني بباريس، ومن هناك أصدر صحيفة العروة الوثقى التي تهاجم الاحتلال وأيضًا تهاجم الخلافة الإسلامية وتنتقد الأوضاع بشكل عام وبصورة تعتمد على التهييج والثورة، فما لبثت أن توقفت، ورحل الأفغاني إلى الهند ومنها إلى تركيا وبها مات، فعاد محمد عبده إلى بيروت حزينًا منكسرًا، وبعد وفاة الأفغاني آلت زعامة المدرسة الإصلاحية للشيخ محمد عبده وتميزت هذه الفترة من حياة محمد عبده بالوفاق التام والغريب مع الإنجليز خاصة اللورد كرومر سفاح الإنجليز بمصر والمستر يبنت، وعندما عاد محمد عبده من منفاه في بيروت إلى القاهرة، وضع تقريرًا شاملاً لإصلاح النظام التعليمي بمصر وسلمه لكرومر الذي سرّ به ووافق عليه.
وبعد العودة من المنفى استقر محمد عبده بالقاهرة والتف حوله مجموعة من المثقفين المصريين الذين كانوا تحت عين الاحتلال وبرعايته أمثال سعد زغلول وأخوه فتحي زغلول وأحمد لطفي السيد وحافظ إبراهيم وقاسم أمين صاحب كتاب تحرير المرأة وبهذا الكتاب بعض الفصول التي قيل إن الذي كتبها هو محمد عبده نفسه أو على الأقل وضع عناصرها وأوحى بأفكارها ومصادرها، وهؤلاء التلاميذ النجباء هم الذين كونوا حزب الأمة بعد وفاة الشيخ محمد عبده بعامين، وحزب الأمة هو حزب موالي للإنجليز وتابع له بالكلية، تم تكوينه للوقوف أمام الحزب الوطني الذي أسسه الزعيم مصطفى كامل.
وبعد أن تولى الخديوي «عباس حلمي» الزعامة في مصر، خفت الأضواء عن محمد عبده، بسبب مواقف عباس حلمي المؤيدة للخلافة وكرهه للإنجليز وتشجيعه للحركة الوطنية ومصطفى كامل، بل منع الخديوي «عباس حلمي» محمد عبده من دخول القصر، فاكتأب محمد عبده وانعزل ببيته بالإسكندرية ثم أصابه مرض السرطان فمات في 9 جمادى الأولى 1323هـ ـ 11 يوليو 1905م، الجدير بالذكر أن الشيخ محمد عبده كان أول من تولى منصب الإفتاء في مصر، وهو منصب استحدثه الإنجليز للسيطرة على التوجيه الديني بالبلاد.