رام الله ترقص وغزة تحترق!

الخبر: أعلن المسئولون عن بلدية رام الله انطلاق مهرجان رام الله السنوي للرقص الشعبي بمشاركة 18 فرقة أجنبية راقصة .
شريف عبد العزيز
التعليق
مفكرة الإسلام : مشهدان مختلفان من تاريخ أمتنا المسلمة يكشفان لنا بجلاء عن طريق الإنتصار وقانون السقوط وأسباب كل واحد منهما، المشهد الأول هو مشهد السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، وقد حضر مجلس علم أسند أحد الحاضرين فيه حديثاً مسلسلاً بالتبسم، فلما وصل الدور عليه لرواية الحديث لم يتبسم، فسأله الحاضرون عن سر عدم تبسمه ؟ فقال قولته الشهيرة التي تكشف عن مدى شعوره بقضايا أمته ونوازلها، قال : كيف أضحك والقدس أسير؟!
وأما المشهد الثاني فكان سنة 656هجرية و التهديد المغولي لدولة الخلافة العباسية قد وصل لمداه الأقصى، وأصبحت الجيوش المغولية علي مشارف بغداد، ونزل هولاكو بأكثر من مائتي ألف مقاتل على عاصمة الخلافة من كل جانب، بعد الجهد المشكور الذي بذله وزير الشؤم ابن العلقميّ الرافضي! والذي ظل يجرد المدينة من دفاعاتها شيئاً فشيئاً، حتى أصبحت خالية من أي قوات تمنع الهجوم الكاسح المرتقب، وكانت غفلة الخليفة المستعصم العباسي من أهم أسباب هذه النازلة الكبرى التي عصفت بالخلافة كلها، فلقد سلم المستعصم مقاليد الأمور كلها لوزيره ابن العلقمي، وانشغل هو بملذاته وشهواته، وانغمس في الدعة واللهو والبطالة، وفي ظرف كان يحتاج منه لأقصي درجات الاستعداد والحذر والحيطة، وأثناء الحصار الرهيب لبغداد، كان الخليفة المستعصم في قصره يستمتع برقصة مثيرة لإحدى جواريه، التي كانت ترقص بين يديه في قصر الخلافة، وأثناء انشغاله بهذا اللهو والعبث، أطلق أحد القناصة المغول سهماً اخترق نافذة قصر الخليفة، وأصاب الجارية الراقصة فقتلها في الحال وهي ترقص بين يدي الخليفة الغافل العابث، فما كان من الخليفة إلا أن أمر بوضع ستائر كثيفة على النوافذ، وواصل لهوه ورقصه مع الجواري !
فما الذي جري للأمة علي يد صلاح الدين وما الذي جري لها أيضا علي يد المستعصم ؟ الجميع يعرف بالقطع ما الذي جري .
هذا المشهد الدرامي الذي سبق سقوط بغداد بأيام، مازالت فصوله حتى الأن تعصف بهذه الأمة حتى وقتنا الحاضر، فمشهد حفل رام الراقص قد استدعى من الذاكرة كل المشاهد المأساوية، والتي تحفل ذاكرة الأمة بها، لكثرة ما نزل بها من مصائب ونكبات، رام الله الأن منشغلة بضيافة 18 فرقة راقصة جاءت من دول عربية وأوروبية وأمريكية لاستعراض مواهبها الفنية الرفيعة، والتي يحتاجها الشعب الفلسطيني بشدة هذه الأيام ! بعد مجزرة غزة وحصاد الحصار المرير والطويل .
رام الله الأن يريد لها القائمون على مجريات الأمور فيها أن تكون مدينة على الطراز العلماني الغربي، حيث لا مكان فيها لهموم القضية الفلسطينية، ومعاناة المشردين والمهجرين، رام الله الأن مشغولة بعقود تلميع الوجه الأمريكي القبيح في المنطقة والتي فاز بها وللعجب وبالمصادفة البحتة، ولدي الرئيس المنتهية ولايته وشرعيته وأهليته وأمور آخري، محمود عباس، والملايين التي ستتدفق علي حسابات العائلة من جراء الصفقة التي تمت بعد موافقة إسرائيل و مباركتها، والتي كانت أولي ثمارها الزج بالعديد من أنصار حماس في السجون السرية في الضفة الغربية، ثم محاولة اغتيال خطيب المسجد الأقصى والنائب في المجلس التشريعي الشيخ حامد البيتاوي، واستدعاء محفظات القرآن في رام الله ونابلس والخليل وتهديدهن والضغط عليهن للتوقف عن التعليم والتحفيظ في الدور الخيرية، مع ترسيخ الهواجس العلمانية القبيحة بوضع المساجد والجوامع ودور تحفيظ القرآن تحت الرقابة اللصيقة، خوفاً من تنامي الشعور الديني لأهل الضفة، وحتى لا تصيبهم حمى التدين التي أصابت أهل غزة حتى ثاروا على عملاء الاحتلال و أذنابه حتى طردوهم شر طردة من غزة سنة 2007.
القائمون علي أمر الضفة لم ينسوا أبداً الذل والمهانة التي جرت لهم من أهل غزة، والطرد المهين الذي جرى لهم من أهلها الأبطال، وهم الأن يردون الصاع لأهلها ويعاقبونهم بأخس طرق العقاب، بالعقاب النفسي وإيذاء المشاعر، بالرقص على جراح الشعب الفلسطيني، بالاحتفال بقتلة الأبرياء والشهداء، في مشهد عبثي يكرس حالة الانفصال الشعوري والحقيقي بين غزة والضفة .
زمرة عباس حالياً تدير ظهرها للوضع الإنساني الفظيع الذي عليه أهل غزة، من تدمير للبنية التحتية، وآلاف القتلى والجرحى و المعاقين والمشردين، وبقلوب هي أشد من الحجارة قسوة، لم يبالوا بمعاناة أهل غزة، وانشغلوا بالرقص والغناء والطرب واستقبال الأجانب والوفود الخارجية وتوزيع القبلات والابتسمات علي كاميرات التصوير، وأغلفة الصحف والمجلات، ولا بأس بأن تحترق غزة أو تنهار على رؤوس ساكنيها، طالما نحن في رام الله نرقص و نغنى . ولكن التاريخ لن ينسي هذه المواقف أبداً، والحتمية التي غفل عنها مسترزقو ديتوان ومنتفعو أوسلو وغيرها أن السقوط هو مصيرهم الذي لا مفر منه، وغداً مصيرهم مثل مصير المستعصم على يد التتار، وكما قيل من قبل هل للحذاء نفع بعد اهترائه ؟