مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

كيف تصنع رؤية لمؤسستك؟ 5

8 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

مصطفى كُريِّم

(لا شيء على الإطلاق، يمكن أن يقاوم الإرادة البشرية التي تغامر حتى بوجودها نفسه في سبيل الهدف المنشود).

بنيامين ديزرائيلي

لا تخلط بين الإيدولوجية الجوهرية والمستقبل المرتقب، على وجه الخصوص بين الغرض الجوهري والأهداف الكبيرة والمتشعبة والجريئة، فغالبًا ما يبدل المدراء واحدة مكان الأخرى، أو يمزجون بينهما أو يفشلون في توضيح كل منها عنصر مستقل، فالغرض الجوهري ليس مجموعة من الأهداف المحددة، بل هو سبب وجود المنظمة، بينما الأهداف الكبيرة والمتشعبة والجريئة هي أهداف واضحة، فالغرض الجوهري لن يكتمل أبدًا، بينما يمكننا تحقيق أهدافنا في 10-30 سنة المقبلة.

نجم يلوح في الأفق:

تعامل مع الغرض الجوهري، كأنه نجم يلوح في الأفق ستظل تطارده دائمًا، بينما الأهداف هي الجبل الذي تتسلقه، فحينما تصل إلى قمته، ستتحرك نحو جبال جديدة.

فتحديد الإيدلوجية الجوهرية، هو عملية استكشافية، بينما رسم صورة المستقبل المنتظر عملية إبداعية، فقد وجدنا أن المدراء التنفيذيين، يواجهون مشاكل مع الأهداف الكبرى والجريئة، فهم يريدون تحليل الطريق نحو المستقبل، ولذا وجدنا أن بعض المدراء التنفيذيين يحرزون تطورًا كبيرًا حين يبدأون بالوصف الحيوي، ثم ينطلقون منه لتحديد الأهداف الكبرى والجريئة.

وهذه المقاربة تقتضي أن نسأل أنفسنا: نحن سنظل هنا لعشرين سنة، كيف نحب أن نرى أنفسنا؟ كيف ينبغي أن يكون شكل الشركة؟ ماذا يجب أن تمثل للموظفين؟ ما الذي يجب أن تنجزه؟ إن كتب أحدهم مقالة في مجلة اقتصادية بارزة عن الشركة خلال 20 سنة، ماذا سيقول؟

بالمثال يتضح المقال:

يذكر لنا جيمس كولنز وجيري بوراس أنه: كان لدى إحدى شركات التكنولوجية الحيوية التي عملنا معها مشكلة في تحديد مستقبلها المرتقب، حيث قال أحد أعضاء فريقها التنفيذي: (كلما نأتي على ذكر أمر يشمل الشركة كلها، يكون أمر عامًا وليس مثيرًا، وأحيانًا ما يكون مبتذلًا مثل "تطوير التكنولوجيا الحيوية حول العالم").

من أجل رسم لوحة الشركة خلال 20 سنة القادمة، طرح المدراء التنفيذيين أمورًا مثل: (أن نتصدر غلاف مجلة الأعمال الأسبوعية، كأحد قصص النجاح المتميزة ...أن نكون في قائمة العشر شركات الأفضل، في تصنيف فورتشن ...أن يفضل أفضل خريجي العلوم والاقتصاد العمل لدينا ...أن يتحدث أحد الراكبين على متن طائرة، عن منتجاتنا للشخص الجالس بجانبه ...20 سنة متوالية من النمو والربح ...تم إنشاء ستة أقسام، تولدت عن ثقافة الريادة التي صنعناها ...يستشهد بنا معلمو الإدارة، باعتبارنا نموذجًا للإدارة الناجحة والتفكير المتقدم).

ومن ذلك يمكنهم أن يضعوا أهدافًا تكفل لهم احترامًا، كمثل ما الاحترام الذي تحصل عليه ميرك أو جونسون أند جونسون، ولكن في مجال التكنولوجيا الحيوية.

تحليل المستقبل المرتقب:

(إن المسئولية الأساسية للقيادة، هي التفكير في المستقبل، فلا يوجد أحد آخر يمكنه عمل ذلك لك).

بريان تراسي

إن تحليل المستقبل المرتقب، الذي رسمته لشركتك، لتعلم هل هو صحيح أم لا، يبقى أمرًا غير ذو جدوى؛ فليس هناك إجابة صحيحة؛ لأنك تقوم بعملية خلق للمستقبل وليس توقعه، فهل يمكن القول بأن بتهوفين قام بتأليف السيمفونية التاسعة بشكل صحيح؟ أو أن شيكسبير قام بصياغة رواية هاملت بشكل صحيح؟ فالمستقبل المرتقب يتضمن أسئلة هامة مثل: هل سيكون ما تخيلناه للمستقبل عاملًا محفزًا؟ هل سيجعل عملنا متدفقًا؟ هل سيجعل العاملون مستمرين في الإنتاج؟

فلابد للمستقبل القريب أن يكون محفزًا في نفسه؛ لأنه سيحافظ على المنظمة في حالة من الدافعية حتى لو اختفى القائد الذي وضع الأهداف، فقد كان لسيتي بنك ـ أصبحت سيتي كورب ـ تمتلك أهدافًا هي (أن نكوِّن المؤسسة المالية الأقوى والأنفع والأبعد مدى، على مستوى العالم) وهو الهدف الذي ولد تحفيزًا على مدى أجيال عدة، حتى تم تحقيقه.

وبالمثل فإن صعود ناسا إلى القمر، استمر في تحفيز الناس، حتى بعد سنوات من وفاة الرئيس جون ف. كيندي، وهو القائد الذي وضع الهدف.

ولكي ترسم مستقبلًا منتظرًا فعالًا، لابد من مستويات عالية من الثقة والالتزام، فليس من المعقول، أن يجعل بنك محلي في إقليم صغير، هدفه كهدف سيتي بنك الذي وضعته عام 1915م، ولكم كان مضحكًا، أن يكون هدف شركة فيليب موريس للتبغ ـ والتي كانت تحتل المركز السادس في السوق بحصة 9% من الأسهم ـ هو أن تهزم رينولدز لصناعة التبغ، وتحتل فيليب موريس المركز الأول.

ولقد كان صعبًا على سوني، وهي شركة صغيرة تعاني من ضائقة مالية، أن تعلن عن هدفها، وهو تغيير الصورة الذهنية للمنتج الياباني ضعيف الجودة (سوني في الخمسينات) انظر الجدول رقم (1).

فلم تكمن الصعوبة في جرأة الهدف، ولكن في مدى الالتزام الذي يتطلبه، وكذلك بوينج لم يطغى هدف تصنيع طائرات تجارية على صورتها للمستقبل المنتظر، ولكنها راهنت بتصنيع وتطوير الطائرات عبر طائرة 707 ثم 747، وشركة نايك لم تتحدث فقط عن فكرة هزيمة أديداس، ولكنها خاضت حربًا لتحقيق هذا الحلم.

في الحقيقة، لابد أن يفرز رسم المستقبل المنتظر قليلًا، مما نطلق عليه اسم "عامل البلع"، فحينما يظهر للناس ماذا سيتم عمله لإنجاز الأهداف، ففي الغالب لابد من بلع مسموع.

رسم المستقبل المنتظر:

يذكر لنا جيمس كولنز وجيري بوراس أنه: لقد وجدنا في بحثنا، أن الشركات ذوات الرؤية، أظهرت مقدرة كبيرة في تحقيق حتى الأهداف الجريئة جدًا، فشركة فورد جعلت السيارات للجميع، وسيتي كورب أصبحت البنك الأوسع انتشارًا في العالم، وفيليب موريس قفزت من المركز السادس إلى الأول، وبوينج هيمنت على صناعة الطائرات التجارية، وسلسلة متاجر "والمارت" حققت 125 بليون دولار، حتى بعد تقاعد سام والتون.

الجدول رقم (1)

سوني في الخمسينيات

الإيدولوجية الجوهرية:

القيم الجوهرية:

· إعلاء القيم اليابانية، والحالة الوطنية.

· أن نكون روادًا، ولسنا تابعين لأحد، فعل المستحيل.

· تشجيع القدرات الفردية والإبداع.

الغرض الجوهري:

أن نختبر سعادة الابتكار والتطبيقات التكنولوجية من أجل نفع وهناء عامة الناس.

المستقبل المنتظر:

الأهداف الكبرى:

أن نصبح الشركة الأكثر شهرة في تغيير نظرة العالم لضعف جودة المنتجات اليابانية.

الوصف الحيوي:

سنصنع منتجات نغزو بها العالم ...سنكون الشركة الأولى التي تتوجه للسوق الأمريكية وتوزع فيها بشكل مباشر ...سوف ننجح من خلال المبتكرات التي فشلت فيها الشركات الأمريكية مثل: الراديو الترانسزيتور ...بعد 50 عام من الآن، سوف يصبح اسمنا من أشهر الأسماء التجارية حول العالم ...وسوف ننافس أعظم الشركات المبتكرة في ميدان الابتكار والجودة ...سوف يصبح شعار صنع في اليابان أمرًا جيدًا، وليس علامة على أنه غير مطابق للمواصفات.

على العكس، فإن الشركات التي تضمنها البحث ولم تحقق أهدافها الطموحة، وكانت قد وضعت تلك الأهداف، لم يكمن الفرق في وضعها أهدافًا أسهل، فالشركات صاحبة الرؤية كان لديها أهدافًا طموحة، ولم يكمن الفرق في الكاريزمة القيادية، فالشركات صاحبة الرؤية حققت أهدافها الطموحة، بدون الحاجة إلى قواد أعظم من الحياة.

ولا الفرق في الاستراتيجيات، فالشركات صاحبة الرؤية اعتمدت على مبدأ (فلنجرب العديد من المنتجات والمواد، ولنحفتظ بما ينجح منها) أكثر من الاستراتيجيات المعدة بعناية، ولكن نجاح هذه الشركات، يكمن في بناء قوة المنظمة، كطريق أولي في صنع المستقبل.

لماذا أصبحت ميرك شركة الصناعات الدوائية الأبرز في العالم؟ لأن مؤسسي ميرك، قاموا ببناء أفضل مركز أبحاث وتطوير دوائي في العالم، ولماذا هيمنت بوينج على سوق الطائرات التجارية في العالم؟ بسبب التنظيم الهندسي والتسويقي المتميز الذي جعل حلم البوينج 747 حقيقة، وعندما تسأل عن القرارات الأكثر أهمية التي ساهمت في نمو ونجاح هويليت بيكارد، يجيبك ديفيد بيكارد بأنه قرار بناء قوة المؤسسة والعاملين بها.

والآن، ماذا بعد الكلام:

عندما تفكر في رسم المستقبل المرتقب، اهتم بما نسميه متلازمة (لقد وصلنا)، وهي ما تصيب الشركة، حينما تصل وتحقق هدفًا طموحًا وكبيرًا من أهدافها، ثم تفشل في الانتقال لتحقيق هدف آخر، لقد أصيبت ناسا بهذا المرض بعد نجاحها في النزول على القمر، فبعد النزول على القمر ماذا ستفعل بعد ذلك؟

وكذلك فورد بعد أن جعلت السيارة متاحة للجميع، فشلت في وضع هدف آخر على نفس القدر من الأهمية؛ مما أتاح الفرصة لصعود جنرال موتورز في الثلاثينيات، وعانت شركة أبل أيضًا، بعدما نجحت في تصنيع كمبيوتر يمكن لغير التقنيين استخدامه.

كثير من الشركات الناشئة تعاني من ذلك المرض، حينما تصبح معروفة، أو تصل إلى مرحلة لا يعود البقاء فيها موضع تساؤل، فالمستقبل المنتظر يساعد المنظمات فقط، حينما لم يكن قد تحقق بعد.

ويذكر لنا جيمس كولنز وجيري بوراس أنه: في أثناء عملنا مع الشركات، سمعنا المدراء التنفيذيين يقولون باستمرار: (لم يعد الأمر مثيرًا كما كان، يبدو أننا قد فقدنا قوتنا الدافعة)، وهذه العلامات تشير إلى المنظمات التي استطاعت تسلق جبل، ولكنها لم تشرع في تسلق آخر، وهؤلاء المدراء بهذا الشكل قد هزموا.

ولسوء الحظ، فالكثير من الرؤى والمهام الخاصة بالشركات، تتحول إلى خليط فوضوي من القيم والأهداف والأغراض والفلسفات والمعتقدات والتطلعات والمعايير والاستراتيجيات والممارسات والأوصاف.

فهي كلمات مملة ومرتبكة، وبدون هيكل واضح، تدفع إلى القول: (كلام صحيح، ولكن من يهتم؟)، مما يجعلها أمور مثيرة للمشكلات، ونادرًا ما ترتبط بشكل مباشر بديناميكية العمل في المؤسسات ذات الرؤية، وهي الحفاظ على الجوهر وتحفيز التطوير، فهذه الديناميكية ـ وليست الرؤية أو المهمة ـ هي المحرك الأساسي للشركات التي لها صفة الدوام، تمنح الرؤية السياق اللازم لتطبيق هذه الديناميكة.

إن بناء شركة ذات رؤية يحتاج إلى 1% رؤية، و99% التزام وانتظام، فعندما يكون لديك التزام كبير، لو سقط عليك زائر من الفضاء الخارجي، سوف يستنتج رؤيتك من خلال العمليات والأنشطة، التي تقوم بها الشركة من دون قراءتها أو لقاء أحد كبراء المدراء التنفيذيين.

إن صناعة ذلك الالتزام هو الجزء الأهم من عملك، ولكن الخطوة الأولى ستكون إعادة صياغة الرؤية أو المهمة في شكل سياق فعال لبناء الشركة ذات الرؤية، ولو قمت بذلك بشكل صحيح فلن تحتاج إلى إعادة ذلك الأمر.

وأخيرًا:

فإن صناعة الرؤية أمر من الأهمية بمكان، ولذا لابد أن تذكر دائمًا قول كارل ساندبرج، حين قال: (كل شيء يبدأ بحلم).

أهم المراجع:

1. صناعة الرؤية الخاصة بشركتك، جيمس كولنز وجيري بوراس، دورية جامعة هارفرد، سبتمبر/ أكتوبر 1996م.

2. خطوات عظيمة، أنتوني روبنز.

3. قوة الأهداف، كاترين كاريفلاس.

4. القيادة الفعالة، بريان تراسي.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 4 فبراير 2011
  1. سلوك تنظيمي (2) ... الإدارك 1فريد مناع (عادة ينعكس ما بداخلنا على حياتنا، فمن قلب الإنسان تصدر أفعاله التي تؤثر على ظروف حياته، فأفكاره تتحول إلى أفعال، وأفعاله تعبر عن شخصيته وأهدافه، وبالتالي توضيح مصيره) جيمس الآن تحدثنا في المرة السابقة عن مفهوم السلوك التنظيمي، وأسلوك إداري · 7 د قراءة
  2. بيان الهيئة الشرعية لحماية الحقوق بخصوص أحداث مصرمفكرة الإسلام (خـاص): أكدت "الهيئة الشرعية لحماية الحقوق والحريات" والتي تضم علماء ودعاة بارزين في مصر، أن المخرج الوحيد من الأزمة التي تمر بها البلاد هو الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، مشددة على أن "المطالبات السلميانتفاضة الشعب المصري · 6 د قراءة
  3. سلوك تنظيمي (3)... الإدراك 2فريد مناع (عندما تنظر للموقف من خلال وجهة نظر شخص آخر، فإنك غالبًا ما ستجد احتمالات غير مرئية) بريان تراسي لا شك في أن الأفراد سواء كانوا رؤساء، أو زملاء، أو مرؤوسين، أو أقارب، أو أصدقاء، لهم تأثير عميق علينا، فإذا فهمنا من حولنا، ولماذا يفسلوك إداري · 7 د قراءة
  4. أزمة مصر.. حقائق وتداعياتالمصدر/ صحيفة الجارديان ترجمة/ شيماء نعمان مفكرة الإسلام : بينما يحتشد الآلاف في ميدان التحرير بوسط العاصمة المصرية القاهرة بين مؤيد ومعارض لحكم الرئيس "محمد حسني مبارك"، ترى تحليلات سياسية أوروبية أن القضية الأكثر أهمية ليست متى يرحل الرئيانتفاضة الشعب المصري · 4 د قراءة
  5. كيف تصنع رؤية لمؤسستك؟ 4مصطفى كُريِّم (من لا يوجه سفينته إلى ميناء محدد، لا تنفعه أي رياح) ميشيل دي مونتين المستقبل المرتقب، هو المكون الرئيسي الثاني من الإطار الخاص بالرؤية، وهو يتكون بدوره من جزئين: أهداف طموحة (10-30 سنة)، بالإضافة إلى وصف حيوي لما يجب أن نكون فكر إداري · 7 د قراءة
  6. الكنيسة الروسية تسمح للكهنة بالترشح للانتخاباتسمح مجلس المطارنة في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لرجال الدين بخوض الانتخابات في حالات استثنائية. وذكرت وكالة نوفوستي أن المجلس اجتمع طيلة 3 أيام في كاتدرائية المسيح المخلص في وسط موسكو، لحل المسائل الطارئة التي تواجهها الكنيسة والمجتمع. وقاأفريقيا وأوربا · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: كيف تصنع رؤية لمؤسستك؟ 5