سلوك تنظيمي (3)... الإدراك 2
فريد مناع
(عندما تنظر للموقف من خلال وجهة نظر شخص آخر، فإنك غالبًا ما ستجد احتمالات غير مرئية)
بريان تراسي
لا شك في أن الأفراد سواء كانوا رؤساء، أو زملاء، أو مرؤوسين، أو أقارب، أو أصدقاء، لهم تأثير عميق علينا، فإذا فهمنا من حولنا، ولماذا يفعلون ما يفعلون؛ سيكون نافعًا جدًا لنا.
الإدراك الاجتماعي:
هو العملية التي من خلالها، يدمج، ويترجم الفرد المعلومات عن الآخرين؛ ليكسب فهمًا واعيًا دقيقًا عنهم، وهذا النوع من الإدراك ضروري جدًا للمنظمات.
الجوانب المختلفة للإدراك الاجتماعي:
عملية الإعزاء:
وهي العملية التي من خلالها، يستطيع الأفراد أن يحددوا الأسباب، وراء سلوك الآخرين، أو الإجابة على سؤال لماذا، أو بطريقة أوضح:
1. لماذا يتصرف الناس بهذه الطريقة؟
2. وما هي صفاتهم الداخلية وكيف يكونون؟
والأفراد يجيبون عن تلك الأسئلة، بطرق مختلفة من خلال عملية الإعزاء:
1. عمل استدلالات متوافقة:
وهي تعني أن الحكم على ماهية الشخص، يعتمد على الملاحظة المباشرة لتصرفاته، ولكنها عادة ما تكون غير مجدية؛ إذ لا يوجد معيار محدد، لمعرفة ما إذا كانت الاستدلالات صحيحة أم خاطئة؛ لأن هناك:
1. مسببات كثيرة للسلوك.
2. أيضًا الأفراد لديهم ميل، لإخفاء صفاتهم الأساسية.
فربما الشخص الغير مرتب، يبذل أقصى جهده ليكون مرتب فقط في مكان عمله، أو شخص يقوم بأعمال غير مشروعة، ويظهر أمام الناس على أنه ذو قيم ومباديء؛ ولذلك فإن هذين السببين، يجعلان الإستدلال المتوافق غير مجدي.
وبالرغم من تلك الصعوبات، إلا أننا يمكننا استخدام أساليب متعددة، لمساعدتنا على عمل استدلال متوافق دقيق:
أولًا: التركيز على سلوك الآخرين، في المواقف التي لا يكونون فيها مضطرين للتصرف بطريقة لطيفة، أو مقبولة اجتماعيًا، فعلى سبيل المثال:
أي شخص في شركة، يتصرف بطريقة لطيفة مع رئيس الشركة؛ لا نتعلم كثيرًا من هذا السلوك، أما من يتصرفون بطريقة لطيفة مع من هم أقل منهم في الدرجة الوظيفية؛ فهؤلاء فعلًا نستطيع أن نستدل منهم، على أنهم حقًا لطفاء.
ثانيًا: التركيز على المواقف التي لا تحتمل غير تفسير واحد للسلوك.
2. الإعزاء السببي للمسئولية عن السلوك:
وتتمثل في الإجابة على سؤال (لماذا)، فتخيل مثلًا أن رئيسك، قام بفصل أحد الزملاء، فستسأل سؤالين:
1. لماذا فعل المدير ذلك، هل زميلي أهمل في عمله؟
2. لماذا فعل المدير ذلك، هل لأنه إنسان ظالم؟
والإجابة على هذين السؤالين، تمثل اثنان من المسببات العظمى لسلوك الفرد:
أ. المسببات الداخلية: المسئول عنها الفرد.
ب. المسببات الخارجية: ليس للفرد تحكم فيها.
وبصفة عامة، فإنه من الهام جدًا أن يستطيع الفرد، معرفة ما إذا كان مسبب السلوك داخلي، أو خارجي، وبمعرفة لماذا حدث ما حدث لغيرك؟ تجعلك تطمئن لما يمكن أن يحدث لك.
فمعرفة أن زميلك طُرد بسبب إهماله؛ لن تجعلك تشعر بالظلم، بينما معرفة أن زميلك طُرد بسبب تعسف رئيسك؛ سيجعلك تقوم بعمل احتياطات، مثل أن تبحث عن عمل آخر.
والآن فإن السؤال الأساسي هنا، الذي يهم علماء الاجتماع، هو كيف يحكم الناس على أفعال فرد، ويحددون إذا كانت نتيجة لمسببات داخلية، أو خارجية؟ ويمكن الإجابة على هذا السؤال، من خلال نظرية كيلي للإعزاء السببي.
نظرية كيلي للإعزاء السببي:
والتي تنص على، أن الناس يقيمون أحكامهم على المسببات الداخلية والخارجية، على أساس ثلاث أنواع من المعلومات:
أولًا: الإجماع:
هل الأفراد الآخرون، يتصرفون بنفس طريقة الفرد الذي نحكم عليه، في نفس الموقف، إذا كانوا يتصرفون بنفس الشكل، فإن التماثل بينهم كبير، إذًا الإجماع مرتفع، والعكس صحيح.
ثانيًا: الاتساق أو التوافق:
الدوام على نفس السلوك كل الأوقات، أي إلى أي مدى يتصرف الفرد الذي نحكم عليه، بطريقة مماثلة لنفس الموقف في أوقات أخرى، كلما زاد التماثل، زاد الاتساق، والعكس صحيح.
ثالثًا: التمايز:
إلى أي مدى يتصرف الفرد الذي نحكم عليه، بطريقة مماثلة في مواقف أخرى، كلما زاد التماثل، انخفض التميز، والعكس صحيح.
· فإذا كان الإجماع مرتفع، والاتساق مرتفع، والتمايز مرتفع؛ فالمسببات خارجية.
· وإذا كان الإجماع منخفض، والاتساق مرتفع، والتمايز منخفض؛ فالمسببات داخلية.
والمثال التالي يوضح ذلك: مجموعة من الأصدقاء دخلوا مطعم؛ لتناول وجبة الغذاء، وبعد فترة وجدوا أن أحدهم يشتكي من سوء الخدمة والجبات، كيف تفسر هذا السلوك؟
الإجابة، ننظر إلى:
هل كل أصدقائه يُجمعون على هذا الرأي أم لا؟ (الإجماع)
هل هو يشتكي دائمًا في هذا المطعم أم لا؟ (الإتساق)
هل يشتكي في أماكن أخرى؟ (التمايز)
الحالة الأولى:
· إذا كان معظم الأصدقاء يشتكون؛ إذًا الإجماع عالي.
· إذا كان يشتكي دائمًا في هذا المطعم؛ إذًا الاتساق عالي.
· إذا كان لا يشتكي في مطاعم أخرى؛ إذًا التمايز مرتفع.
إذًا هذا المطعم سيء فعلًا (مسببات خارجية).
الحالة الثانية:
· لا أحد يشتكي غير هذا الشخص؛ إذًا الإجماع منخفض.
· يشتكي دائمًا في هذا المطعم؛ إذًا الإتساق مرتفع.
· يشتكي في أماكن أخرى؛ إذًا التمايز منخفض.
إذًا هذا الشخص يصعب إرضاؤه (مسببات داخلية).
نقائص الإدراك الاجتماعي:
وتتمثل في الإنحيازات الإدراكية، وهي قابلية الفرد، للحكم الخاطيء على الآخرين، بطرق نظامية مختلفة، وهي كالآتي:
أ. الخطأ الأساسي في الإعزاء:
هو ميل الفرد، إلى إرجاع تصرفات الآخرين، لمسببات داخلية (صفاتهم، سماتهم)، مع تجاهل العوامل الخارجية، التي يمكن أن تؤثر على تصرفاتهم.
وهذا الميل يكون مدمرًا في المنظمات؛ لأنه يجعل الأفراد يفترضون افتراضات سابقة لأوانها، أن الآخرين مسئولين عن الأشياء السلبية التي تحدث لهم.
فمثلًا، عندما تتحطم عربة الشركة من السائق؛ فسيكون الحكم هو أن هذا الشخص مهمل، ولكن قد يكون السبب أن عربة أخرى هي التي صدمت السائق.
ب. تأثير الهالة:
هو إصدار حكم على الفرد، من خلال صفة واحدة، ثم أعممها على باقي الصفات.
فمثلًا، عندما أقيم أداء أحد الموظفين، هناك معايير أقيم على أساسها مثل (كمية العمل، جودة العمل، الإنضباط بالمواعيد، التعاون مع الزملاء)، فإذا رأيت إنضباط المواعيد بالنسبة للمرؤوس، أقيم باقي الأشياء بالقياس على إنضباطه أنه موظف كفء، وبالتالي يكون التقييم الناتج غير دقيق.
ت. تأثير التشابه الشخصي:
وهو ميل الأفراد للإدراك الإيجابي للآخرين، الذين يعتقدون أنهم يشبهونهم بطريقة أو بأخرى، وهذا الميل قد يحدث، فيفضل الرئيس المرؤوسين الذين يشبهونه في طريقة تصرفاتهم؛ فيؤدي ذلك لإعطائهم تقييمات مرتفعة.
ث. خطأ الانطباع الأول:
وهو الميل لوضع دعائم لأحكامنا على الآخرين، من خلال انطباعتنا الأولية عنهم.
وهذا الميل عندما يحدث في المنظمات؛ يؤدي إلى مشاكل كثيرة، فمثلًا: قد يتحسن أداء موظف عن السابق، ولكن نتيجة لذلك الميل، يتجاهل الرئيس ذلك التقدم والتحسن، والعكس فقد ينخفض أداء موظف، ويتباطأ رئيسه في محاسبته.
ج. الانتقاء الإدراكي:
التركيز على بعض الأشياء وتجاهل الأخرى، أو هو الميل للتركيز على بعض السمات في البيئة المحيطة، وتجاهل السمات الأخرى.
وهذا الميل يؤدي إلى تركيز المسئولين على المساحات التي تختص بخبراتهم، فمثلًا، المديرين ذو الخبرة في مجال التسويق، سوف يرون التعديل في خطوط المنتجات من أهم الدعائم، بينما المديرين ذو الخبرة في مجال البحث العلمي، سوف يرون تصميم المنتج من أهم الدعائم.
ح. التنميط:
وضع الأفراد في مجموعات أو أنماط، ثم بعد ذلك تقييم الفرد، حسب إنتمائه إلى هذا النمط أو المجموعة، أي هي المعتقدات، أن الأعضاء في نفس المجموعة، يتشاركون في نفس السمات أو يميلون للتصرف بطريقة واحدة.
فعلى سبيل المثال: أنت تعتقد أن مجموعة (س) تتصرف بطريقة (ص)، فلو كان هناك شخص يقع في مجموعة (س)، فستدرك فورًا أنه سوف يتصرف بالطريقة (ص).
ومن الملاحظ أن استخدام التنميط، له أثر عميق في نوعية الأحكام التي يصدرها الأفراد في المنظمات.
فلو اعتقد الموظف المسئول عن استقطاب الموارد البشرية، أن المنتمين إلى مجموعة معينة كسالى وغير أكفاء؛ فسوف يتجنب تعينهم.
ولكن يجب أن يستخدم ذلك الموظف معايير جيدة للحكم، ويجمع المعلومات اللازمة لتصنيف المرشحين بعناية، وعمل قوائم بعناية شديدة؛ وذلك لأن الشخص يتم الحكم عليه مقدمًا، من خلال كونه عضوًا في المجموعة المصنفة.
ويجب ملاحظة أن استخدام التنميط، يجب أن يكون بحذر؛ لأنه قد يؤدي إلى سوء الاتصال، وإيجاد الصراع والتضارب بين المجموعات المختلفة.
والآن، ماذا بعد الكلام؟
(القادة المفكرون مترقبون؛ لأنهم يفكرون في كل عواقب أفعالهم قبل أي تصرف)
بريان تراسي
هذه بعض الإرشادات للتغلب على التحيز في الإدراك الاجتماعي:
1. عدم إغفال المسببات الخارجية لسلوك الغير، فالأداء الضعيف قد يكون راجع لظروف خارجة عن إرادة الفرد.
2. الاعتراف بخطأ التنميط ومواجهته.
3. تقييم الفرد بناء على عوامل موضوعية.
4. تجنب اتخاذ أحكام سريعة، فالطبيعة البشرية تقفز إلى استنتاجات سريعة عن طبائع الناس، حتى لو لم يكونوا على معرفة جيدة بهم.
وأخيرًا:
تذكر قول نورمان فينسن بيل: (أي حقيقة تواجهنا، ليست لها نفس الأهمية كأهمية تصرفنا تجاهها؛ لأن هذه الأخيرة هي التي تحدد نجاحنا أو فشلنا)، وسوف نتحدث في المرة القادمة إن شاء الله، عن المحور الثاني من تحليل السلوك الإنساني في المنظمة على المستوى الفردي، ألا وهو التعلم.
أهم المراجع:
1. القوانين العامة للنجاح، بريان تراسي.
2. سلوك تنظيمي، محمد سعيد سلطان.
3. القيادة الفعالة، بريان تراسي.
4. قوة التحكم في الذات، إبراهيم الفقي.