مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

كيف تصنع رؤية لمؤسستك؟ 4

7 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

مصطفى كُريِّم

(من لا يوجه سفينته إلى ميناء محدد، لا تنفعه أي رياح)

ميشيل دي مونتين

المستقبل المرتقب، هو المكون الرئيسي الثاني من الإطار الخاص بالرؤية، وهو يتكون بدوره من جزئين: أهداف طموحة (10-30 سنة)، بالإضافة إلى وصف حيوي لما يجب أن نكون عليه لتحقيق الهدف.

نعترف بأن عبارة (المستقبل المرتقب) تبدو متناقضة بعض الشيء، فمن جهة تحمل معنى الصلابة فهي شيء مرئي، حي، وحقيقي، ولكن على الوجه الآخر تحمل معنى غير واقعي، فهي أحلام وآمال وتطلعات.

الرؤية على مستوى الأهداف الكبرى:

فقد وجد من خلال بحثنا في الشركات ذات الرؤية، أنها تفضل الأهداف الجزئية، أو تلك الأهداف الكبيرة والمتشعبة والجريئة، كأسلوب لتحفيز التطوير، فجميع الشركات لها أهداف، ولكن هناك فرق بين مجرد امتلاك الأهداف، وبين الالتزام بأهداف كبيرة، وتحديات مهيبة مثل: تسلق جبل إيفرست.

فحينما تكون تلك الأهداف الكبيرة والمتشعبة والجريئة، حقيقة وواضحة وملزمة، فهي تمثل نقطة مركزية تتوحد عندها الجهود، وتعمل كعامل حفز لروح الفريق، فلدى تلك الأهداف نقاط انتهاء واضحة، يمكن للمنظمة من خلالها، أن تعلم متى حققت الهدف؛ فالناس تحب العمل من أجل الوصول إلى نقاط الانتهاء.

وهي تجذب الناس، فهي أهداف ملموسة، وباعثة للطاقة ومركزة للغاية، يفهمها الناس بطريقة صحيحة، فهي لا تحتاج شرح، أو على الأكثر تحتاج شرحًا قليلًا.

مثال واقعي:

فإن سعي ناسا إلى الوصول إلى القمر في الستينيات، لم يحتاج إلى لجنة تقضي الساعات الطوال؛ لصياغة الهدف وتحويله إلى بيان ممل وصعب الفهم، فقد كان هدفًا سهل الفهم، يمكن قوله بـ 100 طريقة مفهوم للجميع.

فكثير من البيانات المعبرة عن الشركات، فشلت في تحفيز التقدم؛ لأنها لم تتضمن آليات قوية لتحقيق تلك الأهداف الكبيرة والمتشعبة والجريئة.

وقد يكون لدى المنظمات، العديد من تلك الأهداف على مستويات مختلفة، تعمل في نفس الوقت، ولكن الرؤية تحتاج إلى نوع خاص من تلك الأهداف، التي يمكنها أن تنطبق على جميع مستويات المنظمة، وتحتاج من 10 وحتى 30 سنة من الجهد لتحقيقها، فوضع تلك الأهداف، يحتاج إلى تفكير أعمق من المقدرات الحالية للمنظمة وبيئتها، فاختراع هذه الأهداف يجعل الفريق التنفيذي ذا رؤية وليس مجرد فريق استراتيجي أو تكتيكي.

ولا ينبغي أن تكون تلك الأهداف رهان رابح، فاحتمالية نجاحها تقع ما بين 50% إلى 70% ، ولكن على الشركة أن تؤمن بقدرتها، على الوصول إلى تلك الأهداف بأي طريقة، فهي تحتاج إلى مجهود جبار وربما قليل من الحظ.

ويذكر جيمس كولنز وجيري بوراس: أنهم ساعدوا بعض الشركات؛ ليضعوا أهداف على مستوى الرؤية، فيقولا: حيث نصحناهم للتفكير في أربع محاور: الأهداف الكبرى والمتشعبة والجريئة نفسها، والقضاء على الأعداء الذين سيقفون عائقًا أمام تلك الأهداف، تحديد القدوة المناسبة، مدى الانتقال الذي ستحققه الشركة والذي يتناسب مع الشركات الكبيرة.

الوصف الحيوي:

(أيًا كان ما يمكن لعقل الإنسان أن يتصوره ويؤمن به، يمكنه تحقيقه).

نابليون هيل

الوصف الحيوي: هو وصف محدد وحيوي، لما نجب أن نكون عليه؛ لتحقيق الأهداف الكبيرة والمتشعبة والجريئة، فهو يعتبر تحويل للرؤية من الكلمات إلى الصور، فهو عملية صنع الصورة (اللوحة) التي سيحملها الناس في أيديهم، فهي عملية رسم للوحة بواسطة الكلمات، وهذا يسهم في جعل أهداف الشركة المستقبلية (10-30 سنة) أمرًا ملموسًا في أذهان الناس.

على سبيل المثال، فقد ابتكر هنري فورد هدفًا وهو جعل السيارات متاحة للجميع عبر وصف حيوي حين قال: (سأصنع سيارة للجميع ... ستكون رخيصة الثمن، بحيث لن يكون هناك شخص ذو راتب جيد، لا يستطيع أن يقتني واحدة، ويستمتع مع أسرته بساعات من السرور في فضاء الله الواسع ... وحينما أحقق ذلك، سيكون في إمكان كل إنسان أن يقتني واحدة، سوف يختفي الحصان من الطرقات، وسنمنح بذلك فرص عمل كثيرة بمرتبات مجزية).

لقد استطاع المدير العام، لقطاع دعم المكونات بشركة لمنتجات الكمبيوتر، من وصف هدفه بشكل حيوي دفع بقطاعه إلى أن يصبح القطاع الأكثر طلبًا بالشركة حين قال:

(سنحترم ونقدر بواسطة أقراننا ... إن حلولنا ستطلب بشدة بواسطة القطاعات المسئولة عن المنتج النهائي، حيث سيحققون مبيعات خيالية في السوق بسبب مساهمتنا التقنية ... سنكون فخورين بأنفسنا ... سوف يسعى أفضل الناس إلى العمل في قطاعنا ... ستعبر التغذية المرتدة للناس أنهم يحبون عملهم ... وسيعملون بجد لأنهم يحبون ذلك ... وسيشعر الموظفون والعملاء أن قطاعنا ساهم في حياتهم بطريقة إيجابية).

ترجمة الرؤية إلى واقع عملي:

في الثلاثينيات، وضعت شركة ميرك أهدافها الكبيرة والمتشعبة والجريئة؛ من أجل التحول من شركة كيماويات، إلى واحدة من أبرز شركات التصنيع الدوائي في العالم، مع تحصيل قدرات بحثية تضاهي وتنافس الجامعات الكبرى، وحينما أراد جورج ميرك وصف ذلك المستقبل المرتقب، قال في افتتاح مركز الأبحاث الخاص بميرك عام 1933م:

(إننا نؤمن بأن الأعمال البحثية التي تبنى على الصبر والتصميم ستنتج عالمًا صناعيًا وتجاريًا جديدًا، ولدينا الإيمان بأن هذا المعمل الجديد بتجهيزاته التي وفرناها سوف يسهم في تقدم العلم وزيادة المعرفة وسيمنح حياة البشر تحررًا أكبر من المعاناة والمرض.

ونعد كل من ساعدنا بأن هذه المؤسسة ستكون مستحقة لهذا الإيمان، فلنجعل نورنا يسطع، فعلى هؤلاء الباحثين عن الحقيقة، هؤلاء الذين يكدحون من أجل جعل العالم مكانًا أفضل للحياة، هؤلاء الذين يحملون مشعل العلم والمعرفة عاليًا في هذه العصور المظلمة اجتماعيًا واقتصاديًا، على هؤلاء أن يتشجعوا ويشعروا بأن هناك من يدعمهم).

الأهداف الطموحة والكبيرة والمتشعبة تساعد في تكوين الرؤية بعيدة المدى

الأهداف قد تكون كمية أو كيفية:

· أن تصبح أرباح الشركة 125 بليون دولار بحلول عام 2000م (والمارت، 1990).

· أن تصبح السيارات متاحة للجميع (فورد، أوائل القرن العشرين).

· أن نصبح الشركة الأكثر شهرة في تغيير نظرة العالم لضعف جودة المنتجات اليابانية (سوني، أوائل الخمسينيات).

· أن نكون المؤسسة المالية الأقوى والأنفع والأبعد مدى على مستوى العالم (سيتي بنك، أصبحت سيتي كورب 1915).

· أن نصبح اللاعب المهيمن على الطائرات التجارية وأن نسير بالعالم نحو عصر الطائرات النفاثة (بوينج، 1950).

والقضاء على الأعداء الذين سيقفون عائقًا أمام تلك الأهداف:

· القضاء على شركة رينولدز ونصبح الشركة الأولى للتبغ في العالم (فيليب موريس، الخمسينيات).

· تحطيم أديداس (نايك، الستينيات).

· سندمر ياماها (هوندا، السبعينيات).

تحديد القدوة المناسبة:

· أن نصبح مثل نايك في صناعة الدراجات (جيرو سبورت ديزاين، 1986م).

· أن نصبح بعد 20 سنة شركة ذات مكانة مشابهة لمكانة هيوليت بيكارد الآن (ويتكينز جونسون، 1996).

· أن نصبح جامعة هارفرد الخاصة بالغرب الأمريكي (جامعة ستانفورد، الأربعينيات).

مدى الانتقال الذي ستحققه الشركة والذي يتناسب مع الشركات الكبيرة:

· أن نصبح رقم 1 أو 2 في أي سوق نقوم بخدمته، وأن نقوم بثورة لتقوية تلك الشركة وجعلها شركة كبيرة مع الحفاظ على نحافة وخفة الحركة المميزة للشركات الصغيرة (جنرال إليكتريك، الثمانينيات).

· أن نحول الشركة من شركة ذات تعهدات صغيرة إلى أفضل شركة للتكنولوجيا المتقدمة وأكثرها انتشارًا حول العالم (روكويل، 1995).

· أن نحول هذا القطاع من موزع داخلي للمنتجات غير ذي مكانة إلى أكثر قطاعات الشركة احترامًا وإثارة ورواجًا (قطاع دعم المكونات لشركة كمبيوتر، 1989).

الشغف والعاطفة والقناعة أجزاء ضرورية في الوصف الحيوي، فبعض المدراء لا يفضلون التعبير عن مشاعرهم الخاصة بأحلامهم، ولكن ذلك هو ما يحفز الآخرون، فلم يقل تشرتشل وهو يحدد أهداف بريطانيا العظمى (فلنهزم هتلر)، ولكنه قال:

(يعلم هتلر أن عليه إما هزيمتنا في هذه الجزيرة أو أن يخسر الحرب، إن استطعنا مواجهته، ستصبح أوروبا كلها حرة، وستتحرك الحياة على أرض متسعة يضيؤها نور الشمس، ولكن إن فشلنا، فإن العالم بأسره ـ متضمنًا الولايات المتحدة ومتضمنًا كل ما نعرفه ونهتم به ـ سيغرق في هاوية عصر مظلم جديد، عصر يصنعه الشر وربما يحميه العلم المنحرف، فلنعد أنفسنا لتحمل مسئولياتنا، لنعلم أنه إن بقت الأمبراطورية البريطانية ورابطة الشعوب البريطانية "الكومنولث" لألف عام، فسيظل يقول الرجال: "لقد كانت أفضل الساعات").

وأخيرًا:

تذكر قول ديفيد جوزيف شوارتز: (إذا فكرت في أهداف صغيرة، فتوقع إنجازات ضئيلة، فكر في أهداف كبيرة، وستفوز بنجاح هائل).

أهم المراجع:

1. صناعة الرؤية الخاصة بشركتك، جيمس كولنز وجيري بوراس، دورية جامعة هارفرد، سبتمبر/ أكتوبر 1996م.

2. قوة الأهداف، كاترين كاريفلاس.

3. القيادة الفعالة، بريان تراسي.

4. أفضل ما في النجاح، كاترين كاريفلاس.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 4 فبراير 2011
  1. سلوك تنظيمي (2) ... الإدارك 1فريد مناع (عادة ينعكس ما بداخلنا على حياتنا، فمن قلب الإنسان تصدر أفعاله التي تؤثر على ظروف حياته، فأفكاره تتحول إلى أفعال، وأفعاله تعبر عن شخصيته وأهدافه، وبالتالي توضيح مصيره) جيمس الآن تحدثنا في المرة السابقة عن مفهوم السلوك التنظيمي، وأسلوك إداري · 7 د قراءة
  2. بيان الهيئة الشرعية لحماية الحقوق بخصوص أحداث مصرمفكرة الإسلام (خـاص): أكدت "الهيئة الشرعية لحماية الحقوق والحريات" والتي تضم علماء ودعاة بارزين في مصر، أن المخرج الوحيد من الأزمة التي تمر بها البلاد هو الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، مشددة على أن "المطالبات السلميانتفاضة الشعب المصري · 6 د قراءة
  3. سلوك تنظيمي (3)... الإدراك 2فريد مناع (عندما تنظر للموقف من خلال وجهة نظر شخص آخر، فإنك غالبًا ما ستجد احتمالات غير مرئية) بريان تراسي لا شك في أن الأفراد سواء كانوا رؤساء، أو زملاء، أو مرؤوسين، أو أقارب، أو أصدقاء، لهم تأثير عميق علينا، فإذا فهمنا من حولنا، ولماذا يفسلوك إداري · 7 د قراءة
  4. كيف تصنع رؤية لمؤسستك؟ 5مصطفى كُريِّم (لا شيء على الإطلاق، يمكن أن يقاوم الإرادة البشرية التي تغامر حتى بوجودها نفسه في سبيل الهدف المنشود). بنيامين ديزرائيلي لا تخلط بين الإيدولوجية الجوهرية والمستقبل المرتقب، على وجه الخصوص بين الغرض الجوهري والأهداف الكبيرة والفكر إداري · 8 د قراءة
  5. أزمة مصر.. حقائق وتداعياتالمصدر/ صحيفة الجارديان ترجمة/ شيماء نعمان مفكرة الإسلام : بينما يحتشد الآلاف في ميدان التحرير بوسط العاصمة المصرية القاهرة بين مؤيد ومعارض لحكم الرئيس "محمد حسني مبارك"، ترى تحليلات سياسية أوروبية أن القضية الأكثر أهمية ليست متى يرحل الرئيانتفاضة الشعب المصري · 4 د قراءة
  6. الكنيسة الروسية تسمح للكهنة بالترشح للانتخاباتسمح مجلس المطارنة في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لرجال الدين بخوض الانتخابات في حالات استثنائية. وذكرت وكالة نوفوستي أن المجلس اجتمع طيلة 3 أيام في كاتدرائية المسيح المخلص في وسط موسكو، لحل المسائل الطارئة التي تواجهها الكنيسة والمجتمع. وقاأفريقيا وأوربا · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: كيف تصنع رؤية لمؤسستك؟ 4