الولايات المتحدة وحدود القوة
ترجمة: محمد الزواوي
للقوة حدود، والولايات المتحدة يبدو أنها وصلت إلى آخر حدود قوتها باشتراكها في حروب متنوعة على جبهات متعددة؛ فهناك العديد من التحديات العسكرية والسياسية والاقتصادية تواجه الولايات المتحدة في القرن الجديد، حيث يتمدد الجيش الأمريكي في حربين في العراق وفي أفغانستان، ويواجه تحديات اقتصادية غير مسبوقة مع إنفاق عسكري متزايد وأزمة مالية طاحنة.
وقد صدر كتاب جديد بعنوان: "حدود القوة: نهاية الاستثنائية الأمريكية" للمؤلف أندرو بيسيفيتش؛ حيث يحدد في هذا الكتاب ثلاث أزمات عميقة تواجه الولايات المتحدة الأمريكية: الأولى: الاقتصاد الذي يرزح في حالة من الفوضى الكاملة ويتعذر إصلاحه عن طريق الاعتماد على التوسع الخارجي، والثانية: الحكومة التي تشكلت على يد رئاسة إمبريالية وهي ديموقراطية شكلاً فقط، والثالثة: وهي تورط أمريكا في حروب تبدو بلا نهاية اندفعت فيها مزهوة بقوتها العسكرية والتي تمثل كارثة على سياسات الدولة. ويقول مؤلف هذا الكتاب أن تلك المشكلات الخطيرة تهدد الجمهوريين والديموقراطيين على حد سواء، وإذا ما أرادت أمريكا أن تخرج من مأزقها فإنها بحاجة إلى إحياء التوجه الأمريكي المتفرد القديم وهو: مذهب الواقعية السياسية التي تم تجاهلها في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
والمؤلف أندرو باسيفيتش يحظى باحترام فريد بين كافة أطياف السياسة الأمريكية، ويقدم وجهة نظر تاريخية عن الأوهام التي حكمت السياسات الأمريكية منذ عام 1945. والواقعية التي يدعو إليها تشتمل على احترام القوة وحدودها؛ والحساسية تجاه التداعيات غير المقصودة للسياسات الأمريكية، والبعد عن المزاعم بأن أمريكا تحظى بحالة استثنائية في العالم؛ والتشكك في أية حلول وبخاصة تلك المتعلقة باستخدام القوة. ويقول المؤلف أنه بالعودة إلى تلك المبادئ وحدها فإن أمريكا تستطيع أن تصنع أرضية مشتركة تستطيع من خلالها أن تحل مشكلاتها العاجلة قبل أن تصبح عصية على العلاج.
وينحدر المؤلف باسيفيتش مما يمكن تسميته بالمدرسة الأمريكية المغرقة في التقليدية في السياسة الخارجية، ويقوم بتدريس التاريخ والعلاقات الدولية بجامعة بوسطن، ويرى نفسه على أنه ناصح أمين لدولة أصبحت سمينة وتعاني من تخمة وضلت طريقها في العالم، ويستعيد المؤلف بداية فقدان أمريكا لبوصلتها بدءًا من نهاية الحرب العالمية الثانية عندما ظهرت الولايات المتحدة لأول مرة على أنها "الأقوى والأغنى والأكثر حرية في العالم"، وبعدما توسعت القوة الأمريكية في الخارج تطورت الحرية في الداخل، ولكن الأحلام الأمريكية سرعان ما فاقت قدراتها على إرضاء تلك الأحلام، وفي تلك النقطة واجه الأمريكيون خيارًا: "إما كبح شهيتهم وتعلم العيش في نطاق إمكانياتهم، أو نشر القوة الأمريكية في العالم أملاً في إجبار الآخرين على التأقلم على ذلك وإمدادهم بالثروات"، ويمكننا أن نستنج أي الاتجاهين يرى باسيفيتش أن أمريكا اختارته.
ومع بدء تحول المواطنين الأمريكيين إلى الحياة الأكثر رفاهية فإن حكومة الولايات المتحدة كانت تتحول هي الأخرى، فقد استجابت إلى الصدمات الناتجة عن الثورة الشيوعية في الصين والقنبلة الذرية السوفيتية ومع بداية الحرب الكورية أنشئت واشنطن جهازًا أمنيًا جديدًا عملاقًا ودائمًا، يتكون من البنتاجون والمباحث الفيدرالية والاستخبارات الأمريكية (إضافة إلى وكالات استخباراتية أخرى أصغر حجمًا)، ومجلس الأمن القومي، واستطاعت هذه الأجهزة الأمنية أن تحقق توسعًا هائلاً في السلطة التنفيذية للدولة في وجود كونجرس خاضع لها.
ويشير المؤلف إلى أن الرؤساء الأمريكيين بدءًا من جون كينيدي تحولوا إلى جهات خاصة غير رسمية طلبًا للمشورة وتجاهلوا النظام الأمني حديث الإنشاء آنذاك، ثم تطورت الأحداث سريعًا فقد وقعت أزمة خليج الخنازير ثم حرب فيتنام ثم أزمة النفط في السبعينيات، ثم أزمة لبنان، ثم برنامج حرب النجوم، ثم حرب الخليج عام 1991، ثم الصومال فكوسوفا ثم أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وما بعدها من "الحرب الممتدة" على الإرهاب، والتي جعلت الصراع "حالة دائمة"، ثم جاء غزو العراق، والذي يعتبره المؤلف برهانًا على الأزمة العسكرية والاقتصادية والسياسية الأمريكية.
ويصف باسيفيتش نفسه بأنه من المدرسة الواقعية، ويحمل حنينًا كبيرًا إلى الجمهورية الأمريكية المستنيرة التي كانت موجودة قبل الحرب العالمية الثانية، ويقول المؤلف أن الاستهلاكية المفرطة التي مارسها الشعب الأمريكي كانت ظاهرة لحقبة ما بعد الحرب، ويسترشد بمقولة الرئيس الأمريكي السادس جون كوينسي آدامز التي حذر فيها أمريكا من الذهاب إلى "الخارج بحثًا عن وحوش لتدميرها"، وهو ما وقع فيه الرؤساء الأمريكيون بالفعل بعد ذلك، كما كرر المؤلف في كتابه عبارة "الإمبراطور الرئيس" للولايات المتحدة حيث يحمل الرئيس صلاحيات متزايدة.
وقد انتقد المؤلف ما أسماه النفاق المتأصل في أحاديث الأمريكيين عن قيمهم العالمية المزعومة، وعقد مقارنات بين سياسات آخر الرؤساء الأمريكيين، وحذر باسيفيتش من الاستمرار في السياسة الخارجية الأمريكية الحالية كما يحذر من الانخداع بالدعايات التي يرفعها باراك أوباما المترشح عن الديموقراطيين بالتغيير وإقناع الشعب بأن كل شيء سوف يتغير بدءًا من فوزه بالرئاسة، حيث يقول المؤلف أن ذلك ليس صحيحًا، خاصة في ظل اعتماد الولايات المتحدة على النفط الأجنبي وعلى البضائع الصينية الرخيصة وعلى الاستدانة التي تبدو بلا نهاية، كما يؤكد على أن المصالح الخاصة سوف تستمر في السيطرة على السياسة بصرف النظر عمن سيفوز بالرئاسة.
ولكن في النهاية فشل المؤلف في تقديم اقتراحات عملية بعد هجومه الكاسح على السياسات الأمريكية، فقد خرج ببدائل عامة مثل أن أمريكا يجب أن تعيش في حدود إمكانياتها وأن تتبنى سياسة خارجية أكثر تواضعًا، وأن تتحرك من أجل التخلص من الأسلحة النووية وتكافح ظاهرة الاحترار العالمي، وكلها أفكار معقولة ولكنها من نوع النصائح العامة التي تحتاجها أمريكا، لذا كان يجب على المؤلف أن يقدم حلولاً أكثر تفصيلاً لتلك المشكلات.