المفقود من النووي الإيراني 1/ 2

ترجمة وإعداد/ شيماء نعمان
مفكرة الإسلام : بينما لا تزال الاحتكاكات قائمة بين نظام الرئيس الإيراني "محمود أحمدي نجاد" وممثلي الحركة الإصلاحية "الخضر" من جهة، وبين إيران والمجتمع الدولي من جهة أخرى، يحاول الكاتب والمفكر الأمريكي "روبرت رايت" أن يبحث عن الأسباب وراء تعنت إيران وتصلبها إزاء المسألة النووية، وكذلك عرض سبل الحل التي يرى أنها قد تكون ملائمة في حال أبدى المجتمع الدولي اهتمامًا بالحلقة المفقودة في هذه السلسلة.
والحلقة المفقودة التي يتحدث عنها الكاتب هي أخذ موقف الشعب الإيراني نفسه ونظرته للبرنامج النووي في الاعتبار، وتجنب انتظار صعود نظام جديد لسدة الحكم في الجمهورية الإسلامية، لأن النتيجة على الأرجح ستكون واحدة، فالبرنامج النووي صار بالنسبة للإيرانيين قضية تتعلق بكرامتهم وكبرياء بلادهم، وليس مسألة خاضعة للتفاوض؛ صحيح أن الشعب الإيراني ربما لا يريد القنبلة النووية ولكنه في الوقت نفسه يرفض حرمانه من حق التخصيب الذي تكفله له معاهدة منع الانتشار النووي.
ويقلل رايت من جدوى العقوبات التي من المزمع فرضها على إيران، مشيرًا إلى أنها لن تقدم جديدًا، طالما تتجاهل الحقائق الثابتة حيث يقول أن مقاومة الشعب:
"للعقوبات الخارجية توحي بأن الجولة الجديدة من عقوبات الأمم المتحدة لن تغير شيئًا في اللعبة حتى إذا سمحت الصين بتمريرها بمجلس الأمن، وهو ما يبدو غير مرجح في الوقت الراهن".
وقد توقع رايت مسبقًا ما شهده الخميس 11 فبراير من أحداث أثناء إحياء ذكرى الثورة الإسلامية حيث قال إن: يوم الخميس يبشر بأن يكون يومًا دراماتيكيًا آخر في إيران، وأن يكون محفزًا للآمال هنا في الغرب. فهو يوم الذكرى الحادية والثلاثين لقيام الثورة الإسلامية عام 1979؛ وقد نظم زعماء المعارضة مسيرات من النوع الذي تجد الحكومة القمعية مشكلة في السيطرة عليها بصورة أقل حدة.
وعرض الكاتب لوجه النظر التي تؤمن بأن رؤية "الإصلاحيين يقفون مجددًا في وجه عناصر ميليشيا الباسيج، سيكون مغريًا كي نأمل ربما، إلى حد ما، في أن يفوز الأشخاص الأخيار هذه المرة؛ وأنه في حال صعود نظام ليبرالي جديد يمكن أن يتم حل "الأزمة الإيرانية" في النهاية".
إلا أن الكاتب حذر بشدة من عدم واقعية مثل ذلك التصور؛ موضحًا ذلك بقوله:
بكل أسف، سنكون نخدع أنفسنا. فالإصلاحيون حتى وإن صعدوا إلى السلطة بمعجزة، فلن يقدم ذلك الكثير على صعيد الملف النووي. فها هنا زعيم المعارضة "مير حسين موسوي" طالما كان متشددًا على الأقل بنفس النحو الذي عليه الرئيس "محمود أحمدي نجاد". والسبب يكمن في أن الشعب الإيراني- من إصلاحيين ومحافظين على حد سواء- مهتمين بقوة بالمسألة النووية. وكلما وقفنا أسرع على السبب، كلما كانت آمالنا أوسع في حل هذه الأزمة.
لقد جعل "أحمدي نجاد" من السهل تأطير صراع السلطة في إيران ببساطة: فهناك طرف استبدادي متعصب دينيًا يميل إلى امتلاك قنبلة نووية، في مقابل طرف آخر من المعتدلين الذين ينظرون إلى الأمور بطريقتنا. إلا أن هذا التأطير قد تعرض لانتكاسة غير ذائعة الصيت منذ شهور قليلة.
وتوصل المفاوضون في جنيف في أكتوبر الماضي لاتفاق كان يمكن أن ينزع فتيل المشكلة النووية، على الأقل لبرهة من الوقت؛ حيث كان على إيران: أن ترسل معظم اليورانيوم منخفض التخصيب لديها إلى الخارج؛ حيث سيتم تخصيبه بنسبة اكبر ثم إعادته في صورة مناسبة للاستخدام الطبي وليس التسليحي.
وقد رحب نجاد بالاتفاق واعتبره "نصرًا"، إلا أن الاتفاق تم استنكاره عقب ذلك ليس فقط من جانب بعض المحافظين في طهران بل كذلك من جانب موسوي "التقدمي". وانهار الاتفاق، وأدرك نجاد الحكمة من موقف موسوي.
وقد أعلن بفخر أن اليورانيوم موضع النقاش ستقوم إيران بتخصيبه بنفسها؛ ليس إلى مستويات تصنيع السلاح (90%)، بل إلى مستويات الاستخدام الطبي (20%). وهو إنجاز سيدفع بالعلماء الإيرانيين للمنحنى المعرفي نحو المستوى التسليحي.
وكان توقيت الإعلان مناسبًا، فقد جاء مباشرة قبل تظاهرات يوم الخميس، وهو تحرك ربما يكون محاولة من جانب نجاد للاستحواذ على عباءة القومية -- في الواقع، للتغلب في المقام الأول على موسوي في اللعبة التي بدأها عندما ساعد في عرقلة اتفاق جنيف.
على أية حال، شهد الأسبوع الماضي صدور تقرير هام يساعد في تفسير السبب وراء كون اللعب بالورقة النووية من قبيل السياسة الجيدة. والتقرير عبارة عن تحليل للعديد من استطلاعات الرأي التي أجريت في إيران خلال العام الماضي؛ وقد قام بإعداده برنامج المواقف السياسية الدولية التابع لجامعة ميريلاند (PIPA) . (وهناك ميل من جانب المعلقين الأمريكيين إلى التقليل من شأن أهمية الرأي العام في داخل الدول الاستبدادية، إلا أن السبب الذي يدعو السلطويين كي يحاولوا على نحو شديد القبضة التلاعب بالرأي هو أنهم يخشونه- لا سيما في حال ظهور حركة معارضة جامحة، كما في إيران).
وربما أفضل ما ظهر بتقرير برنامج المواقف السياسية الدولية هو أن الشعب الإيراني ليس متشبثًا بالحصول على القنبلة النووية. وبتخييرهم بين:
1ـ تطوير أسلحة نووية وطاقة نووية.
2ـ تطوير طاقة نووية فقط.
3ـ عدم تطوير أية تكنولوجيا نووية.
اختار 55% من الإيرانيين (و57% من مؤيدي موسوي) الخيار الثاني، بينما 38% فقط (و37%)أرادوا القنبلة.
ولكن عليك أن تلاحظ أن لا أحد تقريبًا تخير البند الثالث. ولذلك فإذا كان هدفك هو دفع إيران للتخلي عن برنامجها النووي تمامًا، فنصيحتي أن تجد هدفًا آخر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الصحفي والباحث الأمريكي "روبرت رايت": هو زميل بارز لمؤسسة أمريكا الجديدة، كتب للعديد من المجلات الأمريكية مثل "ذي أتلانتك" و" نيويوركر" وصحيفة "نيوريورك تايمز".