المفقود من النووي الإيراني2/2

ترجمة وإعداد/ شيماء نعمان
مفكرة الإسلام : ويتساءل المفكر الأمريكي عن سبب استماتة الإيرانيين في الدفاع عن برنامجهم النووي بالرغم من الضرر الذي يلحق بهم جراء تعنتهم وتصلبهم في هذا الشأن؛ فيقول:
لماذا كل هذا التأييد القوي لوجود طاقة نووية في بلد ثرواته الطبيعية لا تتركه مجرد تمامًا من مصادر الطاقة؟ إن تاريخ برنامج إيران النووي طويل وشاق، وهناك بالتأكيد فترات (ربما تتضمن هذه الفترة) حاولت الحكومة فيها تطوير سلاح نووي. إلا أنه على المستوى الشعبي، فهناك دافع منفصل قد تبلور وهو: الفخر بالبراعة التقنية المتمثلة في البرنامج النووي.
وهذا الفخر ربما صار أكثر قوة وذي نزعة قومية بسبب الضغوط الغربية الساعية لتقييد البرنامج. وعلى الرغم من أن معظم الإيرانيين يقولون أن العقوبات التي فُرضت فعليًا على البلاد قد أضرت بها، يقول 86%- و78% من مؤيدي موسوي- أن إيران ينبغي ألا "تتخلى عن أنشطتها النووية بغض النظر عن الظروف".
وينتقل "روبرت رايت" بعد ذلك إلى عرض توقعاته بشأن الخطوات الدولية المقبلة فيما يتعلق بالتعاطي مع البرنامج النووي الإيراني في ضوء التأييد الواسع له على النطاق الشعبي، حيث يقول:
هذه المقاومة للعقوبات الخارجية توحي بأن الجولة الجديدة من عقوبات الأمم المتحدة لن تغير شيئًا في اللعبة حتى إذا سمحت الصين بتمريرها بمجلس الأمن، وهو ما يبدو غير مرجح في الوقت الراهن. ولا يزال من غير السار أيضًا قائمة العقوبات القاسية، أحادية الجانب، التي حصدت تأييدًا ساحقًا داخل الكونجرس.
فما الذي يراه إذن برنامج المواقف السياسية الدولية بشأن الاتفاق الذي يمكن أن ينجح؟
في البداية، إن اتفاق جنيف حتى إن ظل قائمًا ووفر لنا بعض الوقت، فهذا النهج الأساسي- تخصيب اليورانيوم خارج إيران- ربما لن يكون مصدر سعادة كبير على المدى الطويل. وعند السؤال بشأن امتلاك إيران لبرنامج للطاقة النووية مع عدم القيام بعمليات التخصيب، لم يتقبل ذلك سوى 31% من الإيرانيين و43% من مؤيدي موسوي. ويساعد ذلك في تفسير المنطق السياسي لموسوي في شجبه لاتفاق جنيف؛ حيث أن القيام بالتخصيب فوق أراضيهم قد أصبح بالنسبة للعديد من الإيرانيين أهم ما يمس كرامتهم.
بالرغم من ذلك، فقد طُرح سؤالاً متابعًا على هؤلاء الإيرانيين الذين رفضوا بوضوح فكرة وجود برنامج نووي دون القيام بالتخصيب؛ وكان السؤال هو: ماذا لو سُمح لإيران بتخصيب اليورانيوم ولكن على أن تمنح "المفتشين الدوليين إمكانية دخول غير محدود إلى جميع المنشآت النووية للتأكد من عدم قيامها بتصنيع قنبلة نووية؟" وكانت إجابة معظمهم أنهم يوافقون على هذا.
وإذا قارنت بين نتائج هذين السؤالين، فإن المحصلة النهائية ستكون أنباء سارة: فهناك فقط قلة من الإيرانيين هم من يصرون على أن تكون إيران قادرة على تخصيب اليورانيوم دون رقابة دولية.
في الوقت الراهن، فإن هذا لا يعني الكثير. فالفكرة كلها وراء معاهدة منع الانتشار النووي- وإيران طرف فيها- هو أن تحصل على إمكانية استخدام الطاقة النووية في النواحي السلمية في مقابل الخضوع لعمليات تفتيش مصممة لضمان كون الاستخدام لأغراض سلمية.
على أية حال، تلك العمليات التفتيشية قد أثبتت عدم كفاءتها في إيران. فقد كان يتم فحص مفاعل نتانز في إيران بصورة دورية عندما علمنا بشأن مفاعل آخر بالقرب من مدينة قم. مما يجعلك تتساءل حول نفع عمليات التفتيش بموجب معاهدة منع الانتشار النووي.
وتلك هي النقطة، فعمليات التفتيش المعتادة التابعة لمعاهدة منع الانتشار النووي مُعترف الآن على نطاق واسع بعدم كفاءتها نظرًا لاعتمادها بصورة كبيرة على المنشآت التي تختار دولة ما إعلانها مؤهلة لذلك. وهناك أفكار مختلفة بشان إعطاء المفتشين صلاحيات أوسع-- وخصوصًا من خلال "البروتوكول الإضافي" لمعاهدة منع الانتشار النووي. إلا أن البروتوكول الإضافي لا يتم تطبيقه إلا على الدول الأعضاء التي تختار التصديق عليه؛ وإيران لم تُصدق عليه بعد. فلماذا لا نستغل هذه الفرصة في محاولة لتغيير ذلك؟
وعلى وجه التحديد: لماذا لا نقدم لإيران شيئًا يعتز به شعبها- كالاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم- في مقابل عمليات تفتيش شاملة ومفاجئة إلى جانب التصديق على البروتوكول الإضافي؟
وكانت نسخة من هذه الفكرة قد طُرحت من قبّل مجموعة من الخبراء التابعين لمجموعة "أمريكان فورين بوليسي بروجيكت" التي يترأسها السفير السابق "توماس بيكرينج" بالاشتراك مع "جاري سيك"، الباحث في الشئون الإيرانية. إن الأمر جدير بالبحث فيه.
وأنا لا أُجزم أن إيران ستقبل هذا الاتفاق، ولكنني في الوقت نفسه لا أرى مانعًا من استبيان ذلك؛ وهو شيء لم نفعله أبدًا؛ فلم يتم طرح أي اتفاق مماثل على طاولة المفاوضات من قبل. وكان أقرب مقترح لذلك هو عرض عام 2008 الذي كان سيفرض عمليات تفتيش صارمة بينما يُسقط حق إيران في تخصيب اليورانيوم رغم أنه مسموح به وفق معاهدة منع الانتشار النووي وذلك حتى "استعادة ثقة المجتمع الدولي في الطبيعة السلمية للبرنامج النووي"— وهو ما يعني للمواطن الإيراني العادي أنه: "ممنوع حتى تسمح أمريكا به".
ويختتم الكاتب "روبرت رايت" مقاله مؤكدًا على ضرورة كسر الجمود والتحرك من أجل معالجة الأزمة النووية قائلاً:
بالرغم من العلاقة البسيطة بين مظاهرات الخميس والقضية النووية، سأظل مصغيًا باهتمام.. سأكون مؤيدًا للأخيار (الإصلاحيين)، وأعتقد أنهم سيُحققون النجاح في نهاية المطاف كما تتطلع إلى ذلك قوى الحرية والعالمية على المدى الطويل. ولكن إذا ما ظللنا ننتظر أن نشرع في الاهتمام بوجهة نظر المواطن الإيراني العادي حتى يأتي ذلك اليوم، سنكون قد أخطأنا في فهم طبيعة السلطة في إيران. والأهم من ذلك، أننا على الأرجح سننتظر طويلاً جدًا.
ــــــــــــــــ
* الصحفي والباحث الأمريكي "روبرت رايت": هو زميل بارز لمؤسسة أمريكا الجديدة، كتب للعديد من المجلات الأمريكية مثل "ذي أتلانتك" و" نيويوركر" وصحيفة "نيوريورك تايمز".