فلنحرر ثقافتنا حتى تقود سياستنا

د. علي عبد الباقي
منذ تأسيس الدولة العربية الحديثة وحتى الآن وهي تعلي من الشأن السياسي على حساب الشأن الثقافي، وبما أن السياسة العربية لم تحل لنا مشاكلنا الاقتصادية والتعليمية والحضارية، ولم تحرر لنا أرضنا وإرادتنا، ولم تلحقنا بركب المدنية والحضارة، رغم إمكاناتنا الكبيرة، فهذه دعوة للاهتمام بالشأن الثقافي وتقديمه على السياسي، بعد أن أثبتت السياسة أنها لا تنقّب إلا عن مصالحها المباشرة وما يمكن أن يثبّت أركانها في دنيا الحكم والسلطة، غير آبهة بمصالح المجتمع ولا ملتزمة ببنود العقد معه.
والدعوة لتقديم الثقافي على السياسي لا تعني التقليل من شأن السياسة أو تهميش الدور الذي يمكن أن تؤديه، وإنما تعني أن تكون الثقافة هي التي تقود السياسة وتحدد لها خطها، وتفتح لها مجالاتها.
وطالما كان الأمر كذلك، فإن الثقافة في بلادنا العربية في أزمة يجب أن نحلها، حتى تضطلع بمسئوليتها المبتغاة.
أزمة متعددة المستويات
فهناك أزمة ثقافة بالفعل، وهي أزمة متعددة المستويات، فنحن يمكن أن نقول:
إن هناك أزمة في القراءة، فالناس لم يعودوا يقرءون كما كانوا في الماضي، وإنما استولت على اهتماماتهم وأوقاتهم وسائل الإعلام الأخرى من إذاعة وتليفزيون وسينما.. الخ. والقراءة في أزمة، وإلا لما كنا نقيم مهرجانات للقراءة. كما أن هناك أزمة في الإبداع الفني في الكتابة في القصة، والشعر.. الخ، فلم نعد نجد نفس الكم من الإنتاج الجيد، والإنتاج الحالي رديء ولم يعد كما كان في الماضي. فلو أخذنا مستويات معينة فسوف نجد أن هناك أزمة فعلا في الثقافة والفكر. فهناك أزمة من حيث الإنتاج الجيد، والإبداع، والقراءة، وإقبال الناس على الثقافة، وإذا تدرجنا في المستويات وتكلمنا عن مضمون الثقافة والفكر سنجد أن هناك أزمة أكبر، لأن هذا المضمون أصبح هزيلاً.
فما هي القضايا الكبرى التي تشغلنا الآن؟ إنها نفس القضايا التي كانت تشغلنا من مائة عام، قضية التنوير، أو بالأصح التغريب والعلمنة، لدرجة أنه أصبح لدينا الآن ما يمكن أن نسميه "سلفية علمانية" فالعلمانيون الآن عندما يطرحون أفكارهم لا يطرحونها معاصرة وإنما يعودون إلى الطهطاوي الذي هو أقدم من الإخوان المسلمين وحسن البنا، أو حتى العودة للقرن الثامن عشر لاستيراد أفكار عصر التنوير. فالواقع الآن تسيطر عليه السلفية العلمانية، التي لا يراها القوم، وإنما يرون فقط السلفية الإسلامية.
وهناك جانب سلبي هام وخطير في ثقافتنا العربية الحالية وهو أن الثقافة السائدة الآن في المجتمع فعلا هي ثقافة العنف، والجميع يمارس هذا العنف، وليسالطرف الإسلامي وحده، فجميع التيارات تلجأ إلى العنف لطرح أفكارها، وتصفية حساباتها، والعلمانيون يلجئون إلى ذلك، فالتجربة الناصرية في مصر تدل على أن الحكومة كانت أشرس من يلجأ للعنف. وفي الجزائر الآن التيار العلماني هو الذي يحكم ويمارس التصفية الجسدية، والحل هو في التربية السياسية، وسعة الصدر والمرونة العقلية. فهذه أشياء نحن نفتقدها سواء في نظامنا التعليمي أو نظامنا الإعلامي أو نظامنا السياسي، فالأنظمة التي تشكل الفرد عندنا مبنية على القمع والقهر والصوت الواحد، ولا يمكن أن نطمع في إنهاء هذا العنف إلا إذا أوجدنا ثقافة حوار وتسامح، وليس مجرد استماع للرأي.
صياغة مشروع قومي بديل وهناك أمر على جانب كبير من الأهمية في هذه القضية هو أن أجهزة الثقافة في الدولة العربية الحديثة انحازت تماماً للمشروع الذي يسمى "التحديثي، أو المستنير" وتم فرضه فرضاً على مجتمعاتنا العربية، انطلاقاً من مصر.
ورغم أن هذا المشروع لم يحظ بإجماع الأمة، وإنما ظل حبيس نخبة مثقفة ثقافة غربية لا يتعداها، ورغم ذلك كتبت له السيطرة، لأن هذه النخبة كانت موجودة في مناطق النفوذ، وهذا أوهم البعض أن هذا المشروع يلقى الإجماع رغم أن شعوبنا نفسها لم تكن تؤمن به ولكنها تسايره، لأنها مجبرة على ذلك، ولأن النخبة التي تدعو إليه فرضت نفسها بالقوة .. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن التيارات الإسلامية ليست مارقة عن إجماع الأمة، بل مارقة عن تصور معين وضعته النخبة المثقفة أو السلطة السياسية الضيقة. والتيار الإسلامي في هذه الحالة لا يعتبر مارقاً، بل ممثلا للأمة في هويتها الحقيقية ضد التيار العلماني المحدود الذي سلمه السياسيون آليات وأدوات التوجيه. وللدليل على أن التيار العلماني لا يمثل الأمة أنه عندما تجرى أية انتخابات يلجئون إلى تزويرها أو التلاعب فيها، لأن النتيجة لن تكون لصالحهم، ولا يستطيعوا مواجهة هذا التيار في انتخابات حرة.
أما صياغة مشروع بديل فهذا أمر ضروري وملامحه موجودة. ثم إن نفس النخبة المثقفة الموجودة عندنا انشقت على نفسها ولم تعد كلها علمانية كما كانت في السابق. وهناك الآن داخل النخبة المثقفة في العالم العربي مكون إسلامي قوي جداً يصلح لأن يكون مشروعا بديلا. فهناك مشروع إسلامي حضاري كبير يدخل فيه الجميع، فهناك التيار القومي بالإضافة إلى المعتدلين من العلمانيين، وكذلك الأقباط غير الطائفيين. المشروع الإسلامي أكبر وأوسع من الحركة الإسلامية، وأكبر وأوسع من الفصائل الإسلامية.
عناصر القوة والضعف في ثقافتنا الحالية
هناك خطر بالفعل يتهدد ثقافتنا، وهو لا يعود إلى ضعف هذه الثقافة من ناحية المضمون أو التاريخ، ولكنه يعود إلى ضعفها في الوقت الراهن أو إلى ضعف المنتمين إليها ولو اسميا. فالثقافة الغربية عندنا لا تأت إلينا في وضع طبيعي، أي أنها لا تأتي إلينا لكي نتعرف عليها ونقرؤها على مهل، ونفحصها موضوعيا ونتأمل فيها، ولكنها تأتي إلينا كي نعتنقها مباشرة، وتفرض علينا من خلال وسائل الإعلام والكتب على أنها هي الحق الصراح الذي لا بديل عنه، كما لا تتاح لنا فرصة مناقشتها لأنها تطرح علينا على أساس أنها قمة إنتاج العقل العالمي ويجب علينا محاكاتها، كما أنها تطرح علينا في الشكل أكثر مما تطرح في المضمون، فهي تأتي إلينا في غلاف براق جذاب وهو الغلاف الإعلامي وهو يبعد النظر عن المضمون الداخلي في هذه الثقافة.
أما بالنسبة لثقافتنا العربية الإسلامية ففيها عناصر قوة، وأول عنصر قوة هو عنصر التاريخ، فالثقافة العربية الإسلامية هي ذاكرة الأمة وتراثها وهي التي شكلت هذا المجتمع. وثاني عنصر من عناصر القوة في ثقافتنا أنها ذات طابع إنساني يستجيب للفطرة، والثقافة الغربية مهما كانت براقة إلا أننا حينما نقترب منها نجد قسوة وجفافاً ومادية ولا إنسانية.
كما أن في ثقافتنا عناصر ضعف في الفترة الحالية، فيجب ألا ننسى أن جزء كبيراً من النخبة الثقافية والفكرية عندنا مستلبة لصالح المشروع الغربي، كما أن النخبة السياسة تعادي المشروع الإسلامي، وعنصر ضعف ثالث هو ضعف المؤسسات التي كانت قائمة على الثقافة الإسلامية مثل مؤسسة الأزهر وغيره. وكل هذه العوامل تجعل مقومات القوة في الثقافة الإسلامية تكاد تكون غير موجودة لأنها ليست لها امتداد في الواقع. أما في الوقت الراهن فالمقاومة موجودة ولكنها تضعف وليست لديها عناصر الاستمرارية الطويلة والنجاح، لأنها مقاومة من موقع دفاعي وليس هجومي.
لقد كانت الثقافة الإسلامية في السبعينات والثمانينات في حالة هجوم، أما في التسعينات فأصبح هناك هجوم مضاد لما سمى بالهجمة الإسلامية.
وإذا أردنا تقوية الثقافة الإسلامية فلا بد أن تتصالح السلطة السياسية معها، كما لا بد أن تتحرك النخبة الثقافية الإسلامية لمواجهة النخب العلمانية، كما لا بد أن تقوى المؤسسات الثقافية الإسلامية ويتم تنشيط دورها الفاعل.
ثقافات متضاربة في الوطن الواحد!
الثقافة العربية تعانى من أزمة كبري، تتجلى في عدم قدرتها على المنافسة مع الثقافات الكبرى، فلا يوجد منهج نقدي عربي، ولا توجد فلسفة عربية، كذلك تتجلى الأزمة الثقافية في وجود عدة ثقافات عربية تتصادم ولا حوار فيما بينها، فهناك ثقافة نخبوية منعزلة، وثقافة شعبية تميل للخرافة، وثقافة إسلامية لدى قطاعات ليست قليلة تحتاج لجهد لتطوير هذه القطاعات وتنميتها ثقافياً.
أزمة الثقافة الراهنة جزء لا يتجزأ من أزمة بلداننا، فنحن الآن نعيش داخل إطار أزمة موسعة ومستعصية ولن نتمكن من الخروج من هذه الأزمة، إلا إذا خرجت بلداننا من أزماتها خاصة الاقتصادية والاجتماعية، والثقافة بالطبع لا تنفصل عن هذا السياق، ولابد أن يتسلح المثقفون بالصدق إذا كانت هناك نية للخروج من الأزمة أساسا، ولابد أن تفتح العيون حتى ترى ما يدور حولها من أوضاع متردية.
حينما تتحمل الثقافة أخطاء السياسة
أزمة الثقافة الراهنة هين من جانب آخر، تعبير مكثف عن الأزمة العامة، التي تعيشها مجتمعاتنا، على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهذه الأزمة هي ناتج مجموعة من السياسات المعادية للمصالح الشعبية، والمعادية للحريات العامة، والتي انتهجتها أنظمة الحكم العربية، فكانت النتيجة أن زادت البطالة، واتسعت قاعدة الفقر، وأخذت دولنا البوليسية تفكك أوصالها وتستدعى الصراعات الطائفية بسبب غياب الحريات العامة، وإغلاق منافذ التحول السلمي الديمقراطي والتعبير الحر للقوى الاجتماعية عن نفسها وقدرتها على تنظيم حركتها للدفاع عن مصالحها. وتواكب مع هذا المناخ المأزوم على كل المستويات إطلاق سعار الثقافة الاستهلاكية التجارية السطحية، التي سيطرت على الساحة العامة ودفعت بالثقافة النقدية إلى الهامش، ودفعت بالتالي بالمثقفين النقديين إلى العزلة والنخبوية. ونحن نشاهد كل يوم كيف تتوحش دولنا البوليسية في مقاومتها لحركات الرفض، ولاحتجاجات الشعوب ضد الإفقار والبطالة وارتفاع الأسعار، وسيطرة حفنة من كبار الملاك عبر الفساد الواسع على مقدرات الأوطان العربية، وبالتالي فنحن نحتاج إلى حشد الجهود الوطنية تحت راية إستراتيجية التطور الديمقراطي السلمي.
مسئولية التعليم والإعلام
كما أننا يمكننا إرجاع أزمة الثقافة الراهنة إلى عاملين أساسيين هما التعليم والإعلام، فللأسف الشديد التعليم لدينا سواء في المدارس الحكومية أو المدارس الخاصة، يقوم على التلقين الذي يؤدى إلى ذاكرة قوية وتفكير معطل، وقد يكون هذا وراء بحث بعض الأسر عن تعليم بديل باهظ الثمن من كل النواحي المادية والمستقبلية وأقصد بذلك المدارس الأمريكية والإنجليزية والفرنسية التي تذكرنا بعهد الاحتلال، والتي يتعلم فيها التلاميذ طبقا للمناهج الأمريكية والأوروبية البحتة التي تجعل منهم غرباء في بيئاتهم. وجيل يتكون بهذه الطريقة لن يأبه بالثقافة القومية بل ستجذبه حتما ثقافة الأقوى.
أما بالنسبة للإعلام، فإن فكرة الإعلام والسماوات المفتوحة التي ترسل إلينا معظم ما يدور في الخارج، فإن دور الإعلام الوطني يقتضى عملية موازنة، بتقديم مادة إعلامية وطنية قوية من الناحية العلمية والفنية والتكنولوجية تستطيع أن تصمد أمام القنوات الغربية وتركز على ما هو ثقافي حقيقي، أي كل ما من شأنه بناء الإنسان العربي جسما وروحا وفكرا.
روابط الملف الصحفي