وفاة الحجاج الثقفي
مفكرة الإسلام : إنه الطاغية الأشهر في تاريخ المسلمين، الحجاج بن يوسف الثقفي، وُلد بالطائف سنة 39 هـ وكان أبوه معلمًا للصبيان، وقد نشأ الحجاج شابًا لبيبًا فصيحًا بليغًا حافظًا للقرآن، واشتغل أولاً في تعليم الصبيان ثم رحل إلى دمشق والتحق بخدمة الأمير «روح بن زنباع» الذي أفسح إليه الطريق لأن يلتحق بخدمة «عبد الملك بن مروان» الذي استشعر شدته وصرامة نفسه وقسوة قلبه وتفانيه في طاعة الخليفة، فانتدبه للقضاء على سلطان ابن الزبير في مكة، فسار الحجاج بجيش كبير إلى مكة وانتهك حرمة المسجد الحرام، وضرب الكعبة بالمنجنيق، وظل محاصرًا لابن الزبير حتى قتله، ثم كلَّفه عبد الملك بن مروان بالتوجه إلى العراق لضبطها والقضاء على الثورات المتتالية فيها.
أقام الحجاج بالعراق عشرين سنة، قضى فيها على الكثير من الثورات والفتن العارمة وتعرض للعديد من المواقف الصعبة، خرج منها بشدته وقوة عزيمته، وواجه فتنة ابن الأشعث سنة 82هـ والتي كادت أن تعصف بالخلافة الأموية كلها، وقد شغل أهل العراق بالجهاد في سبيل الله، ووصلت خيوله حتى بلاد الهند، واستعمل أفذاذ القادة أمثال قتيبة ابن مسلم، محمد بن القاسم، المهلب بن أبي صفرة وأولاده العشرة.
لقد جمع الحجاج بين المتناقضات كلها التي لا تجتمع عادة في شخص واحد، بين زهد وإجرام وديانة وطغيان، وحب للقراءة وقتل للصالحين، واحترام للخلفاء واستهانة بالصحابة الأجلاء، وكان الحجاج فصيحًا بليغًا محبًا للقرآن والفقهاء يعطي عليه الأموال الكثيرة، كما كان من أفصح الناس، لم يؤثر عنه لحن قط في كلامه، هازئًا ولا جادًا، يجيد التلاعب بالألفاظ فيسحر القلوب برائع بيانه، حتى قال عنه الحسن البصري: «ما لهذا الخبيث يرقى المنبر يتكلم بكلام الأنبياء وينزل من عليه فيفعل أفعال المجرمين الفاسقين».
ولقد روي عن الحجاج الكثير من الكلام الجريء، الذي ظاهره كفر بواح، فروي عنه استهانة بالأنصار وبالقبر النبوي، وتفضيل الخليفة على النبي، وأغلبها لا يصح عنه، والحق أنه أكثر ما ينقم على الحجاج إسرافه الكبير في سفك الدماء، بأدنى شبهة، فلقد كان الحجاج أمويًا يميل إليهم ميلاً عظيمًا، ويرى أن خلافهم والخروج عليهم كفر تستحل به الدماء، أما عن خصاله الجيدة فهو لم يشرب الخمر قط ولم يكون ثروة من منصبه، زاهدًا في حياته ولباسه ومأكله، يكثر من قراءة القرآن، إلا إنه كان يصلي الفروض في آخر أوقاتها.
أما ما روي عن أهل العلم المعاصرين للحجاج في أمره، تشددهم في أمره، ووصفه بالكفر والنفاق والخبث، فمردها لما وصلهم من الكلام المنقول على لسان الحجاج، وهذا الكلام زيد فيه بصورة كبيرة، بسبب بغض أهل العراق له خصوصًا الشيعة منهم، فالرجل كان نقمة على أهل العراق بسالف ذنوبهم وعصيانهم وخذلانهم لآل البيت مرات كثيرة، ولا ينفي هذا الكلام صفة الطاغية عن الحجاج الذي قتل بسيفه مئات الآلاف في طاعة بني أمية وكفى بذلك ذنبًا عظيمًا.
وقد قصمه الله عز وجل في 27 رمضان سنة 95هـ، بعد أن قتل سعيد بن جبير بأربعين يومًا قضاها كلها في كوابيس ومنامات مفزعة، والله أعلم بالعواقب، وقد روي عنه أنه لما احتضر رفع يده للسماء ثم قال: «اللهم اغفر لي فإنهم يزعمون أنك لا تفعل».