اغتيال "الحلم الأسود"!!... عصام زيدان

عصام زيدان
مفكرة الاسلام: منذ أن حسم المرشح الديموقراطي الأسود باراك أوباما الصراع الداخلي في حزبه لصالحه متفوقًا على كثير من المنافسين، وآخرهم السيناتور هيلاري كلينتون، وهو يحتل مرتبة الصدارة في استطلاعات الرأي متفوقًا على خصمه الجمهوري العجوز جون ماكين.
ولم يحتل ماكين المركز الأول في هذه الاستطلاعات إلا مرة أو مرتين طيلة عمر الحملة الانتخابية، وحتى الآن، بينما كان التفوق الاستطلاعي بحوزة أوباما، وبفارق وصل في بعض الأحيان إلى 12 نقطة، وفي حده الأدنى تراوح بين الخمس والست نقاط.
هذه الاستطلاعات التي تنوع القائمون بها، ما بين صحافة ووكالات أنباء، ومراكز متخصصة في قياسات الرأي العام، أعطى انطباعًا عامًا بأن المعركة الانتخابية قد حسمت مبكرًا لصالح المرشح الديموقراطي، ودعم هذا التوجه عدة أمور منها:
أولاً: الزخم الإعلامي، الذي صاحب حملة أوباما، وقلة السقطات التي وقعت فيها حملته، إضافة إلى حضوره الشخصي وكارزميته، وجوده اختياره للنائب الذي ألحقه على بطاقته الانتخابية السيناتور المخضرم جوزيف بايدن.
ثانيًا: كثرة السقطات في حملة ماكين الذي كان اختياره لسارة بالين حاكمة ولاية ألاسكا كنائبة له عبئًا على ورقته الانتخابية، نظرًا لماضيها السياسي المجهول إلى حد كبير، وفضائح الفساد التي تلاحقها في الولاية، وعدم قدرتها على جذب العنصر النسائي الذي كان يرغب فيه ماكين.
ثالثًا: أن 75 % من الأمريكيين الآن غير راضين عن أداء الرئيس جورج بوش، والقيم التي يتبناها ماكين وبالين، تكاد تكون متطابقة مع السياسات والقيم التي يتبناها بوش، في حين يدعم أوباما "التغيير" الذي هو كلمة السحر للناخب الأمريكي.
فمن الطبيعي إذن، والحالة هكذا، أن نتوقع تقدم أوباما في استطلاعات الرأي بهذا الهامش الكبير، ولكن هل السؤال المهم في هذا المجال يكمن في مصداقية هذه الاستطلاعات، ومدى تعبيرها الدقيق عن توجهات الناخبين الحقيقية أمام صندوق الانتخابات شهر نوفمبر القادم؟
ثمة من يشكك في أهمية هذه الاستطلاعات وقدرتها على الوصول إلى التوجهات الحقيقية للناخبين الأمريكيين، وقياس التوجهات بصورة فعّالة، ويعزون ذلك إلى ما يسمى بمفهوم برادلي.
وهذا المفهوم لوحظ لأول مرة أثناء انتخابات حاكم كاليفورنيا في العام 1982م، حين خسر توم برادلي، وهو أمريكي من أصل إفريقي، السباق لصالح خصمه الأبيض رغم تقدمه في استطلاعات الرأي قبل الانتخابات طيلة فترة الحملة الانتخابية.
| يتلخص مفهوم برادلي في أن الناخبين من ذوي البشرة البيضاء لا يكشفون عن تحيزهم للقائمين على إجراء استطلاعات الرأي. بل يزعمون، على خلاف الحقيقة، أنهم سوف يصوتون لصالح المرشح الأسود، بينما هم في الحقيقة لا يعتزمون ذلك على الإطلاق |
ويتلخص مفهوم برادلي في أن الناخبين من ذوي البشرة البيضاء لا يكشفون عن تحيزهم للقائمين على إجراء استطلاعات الرأي. بل يزعمون، على خلاف الحقيقة، أنهم سوف يصوتون لصالح المرشح الأسود، بينما هم في الحقيقة لا يعتزمون ذلك على الإطلاق.
وربما تكون الصعوبات التي يواجهها أوباما مع الناخبين من الطبقة العاملة من ذوي البشرة البيضاء، والذين أيدوا منافسته السابقة هيلاري كلينتون في الانتخابات الأولية، ربما تؤكد أن مفهوم برادلي ما زال مؤثرًا، وإلى حد كبير في حسم المسألة الانتخابية، وقد يشكل "تسونامي" غير متوقع لكثير من المراقبين لهذه الحملة.
والمشكلة، التي يواجهها أوباما، والتي قد تفعل مفهوم برادلي خلال الجولة الحالية للفوز برئاسة أمريكا، تكمن في أن نسبة السود الذين لهم حق الاقتراع لا تتعدى 12% من إجمالي عدد الناخبين، وهو ما يعني أن أوباما يحتاج إلى نسبة وشريحة عالية من البيض للوصول إلى المكتب البيضاوي، على افتراض أن جميع السود سيدلون بأصواتهم في هذه الانتخابات ولصالح أوباما، وهو ما رجحته مؤسسات بحثية أمريكية، وقالت: إن أثره سيظهر واضحًا جليًا في الولايات التي توجد فيها أقلية كبيرة من السود مثل فلوريدا وفرجينيا ونورث كارولاينا وإنديانا.
الانتماء العرقي والكلفة الباهظة
| شريحة أخرى تصرح مباشرة وتعترض على وصول أوباما إلى البيت الأبيض، رغم رفضها لسياسة الجمهوريين، فقط لكون هذا المرشح أسود البشرة |
فمسألة العرق ما زالت، وحتى الآن، ذات تأثير ضخم في توجهات الناخبين الأمريكيين، فإضافة إلى الشريحة التي تنضوي تحت ما سبق الحديث عنه من مفهوم برادلي، فإن شريحة أخرى تصرح مباشرة وتعترض على وصول أوباما إلى البيت الأبيض، رغم رفضها لسياسة الجمهوريين، فقط لكون هذا المرشح أسود البشرة.
فقد أكد استطلاع حديث أجرته وكالة أسوشيتيد بريس بالتعاون مع شركة ياهو أن انتماء أوباما العرقي يكلفه ستة نقاط في الاستطلاعات.
وكبار السن من ذوي البشرة البيضاء يُسارع أغلبهم إلى رفض أوباما، رغم أن العديد منهم غير راضين عن بوش، كما أن ثلث الديمقراطيين الذين شاركوا في الاستطلاعات أكدوا أنهم لن يصوتوا لصالح مرشح أسود، حتى ولو كان ديموقراطيًا.
| تعدى أمر العنصرية في الولايات المتحدة وتحكمها في الأمزجة والعقول إلى حد التهديد الحقيقي باغتيال أوباما، وإجهاض "الحلم الأسود" بالوصول إلى البيت الأبيض، من قبل جماعات البيض المتطرفة |
وقد تعدى أمر العنصرية في الولايات المتحدة وتحكمها في الأمزجة والعقول إلى حد التهديد الحقيقي باغتيال أوباما، وإجهاض "الحلم الأسود" بالوصول إلى البيت الأبيض، من قبل جماعات البيض المتطرفة بعد الكشف عن حوادث فردية ذات معان عنصرية في العديد من الولايات، منها العثور في جامعة أوريغون على مجسم لأوباما من الورق المقوى متدليًا على سلك مربوط إلى شجرة، كما علق رجال بيض ينتمون لجماعات متطرفة صورة لأوباما تعبر عن رفضهم أن يصل أي أمريكي من أصل إفريقي إلى رئاسة البلاد.
ويقدر عدد تلك التجمعات العنصرية التي تعنى بالدفاع عن حقوق البيض بثمانمائة جمعية من بينها رابطة الوطنيين الأمريكيين التي حذرت الشهر الماضي من أن البلاد ستتعرض للدمار في حال تمكن مرشح أسود من الوصول إلى منصب الرئاسة.
فالعرق، حقيقة، وكما أظهر تقرير أممي أخير يحكم إلى حد كبير البيئة السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة.
وجاء في التقرير الصادر عن الأمم المتحدة أن اللامساواة والعنصرية التي تتزايد بين المدن الأمريكية قد تتحول إلى قنبلة اجتماعية موقوتة، وقالت الأمم المتحدة: إن مدينة نيويورك هي اليوم في المرتبة التاسعة للمدن التي تفتقد إلى المساواة، وأن أتلنتا ونيو أورلينز وواشنطن وميامي تعادل في ترتيبها مدنًا مثل نيروبي وكينيا وأبيدجان.
وقال التقرير: إن العرق هو أحد العوامل الرئيسة في تحديد مستويات عدم المساواة الاقتصادية في الولايات المتحدة.
وأخيرًا فإن أحلام الديموقراطيين بالوصول إلى البيت الأبيض بقدر ما هي قريبة المنال، وفق ما تؤكد استطلاعات الرأي، وتكاد تتحول من واقع الأحلام إلى عالم الحقيقة، فإن مفهوم برادلي، وأمزجة الناخبين العصية عن الانتقال من الواقع العنصري قد تقوض هذه الأحلام وتجعلها حبيسة النفس، وليس ببعيد أن تتحول إلى كابوس مزعج للأمريكيين جميعهم ديموقراطيين وجمهوريين..
روابط الملف الصحفي
- أضواء على الانتخابات الأمريكية... علي صلاح
- أوباما وماكين.. منافسة شرسة يحسمها الناخب الأمريكي... أحمد أبو عطاء
- أوباما وماكين... وقضايا الأمن القومي العربي
- سباق الرئاسة الأمريكية
- اغتيال "الحلم الأسود"!!... عصام زيدان
- أوباما على خطى بوش!... شريف عبدالعزيز
- لماذا تفضل إيران أوباما رئيسًا للولايات المتحدة؟... شيماء نعمان
- الكيان الصهيوني يؤيد "ماكين أوباما"... أحمد الغريب