أوباما وماكين... وقضايا الأمن القومي العربي

أحمد عمرو
مفكرة الاسلام: لا شك أن الانتخابات الأمريكية تحظى بأهمية خاصة ليس لدى الأمريكيين وحدهم لكن عند معظم شعوب وأمم العالم لما للولايات المتحدة من تأثير عالمي على كافة المستويات.
لكنها عند العرب تحظى بأهمية خاصة لارتباط معظم ملفات الأمن القومي العربي بالسياسية الأمريكية التي تمسك كل خيوط اللعبة في المنطقة وترفض حتى مشاركة حلفائها ولو بالنذر اليسير.
وإن كان سياسيات الدول العربية سواء منها الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي يسير في كثير من شئونه تبعًا للهوى الأمريكي إلا أن القضية الأكبر والأهم لدى رجل الشارع العادي هي قضية فلسطين، وكيف ستتعامل الإدارة الأمريكية الجديدة مع هذه القضية.
وإن كان من الطبيعي اهتمام العالم بالانتخابات الأمريكية ومنهم العرب بالطبع إلا أن الاهتمام العربي بالانتخابات في نسختها لسنة 2008 يحظى بأهمية خاصة.
فمن ناحية لدخول نفس جديد ـ في ظن الكثيرين ـ على خط السياسية الأمريكية متمثلاً في المرشح الديمقراطي باراك أوباما ـ وبعيدًا عن كون جذوره إسلامية أم لا ـ فهو جاء من أوساط الشعب الأمريكي، إلى جانب أنه من الأقلية السوداء فقد شعر بألم التمييز ويعرف معنى أن تعيش على هامش الحياة دون أن تستطيع أن تحصل على حقك.
ومن ناحية أخرى فالعرب سئموا من سياسيات بوش العسكرية ودخوله في حروب أثرت على منطقتهم وأمنها ويريدون أن يروا وجهًا آخر غير بوش يتعامل مع قضاياهم بظنهم أنه الآتي الجديد لن يكون الأسوأ.
وإن كان المحللون والسياسيون يُقومون الحالة الانتخابية الأمريكية ويضعون تصورات لكل القضايا العالمية العالقة كيف يتعامل معها البيت الأبيض إن كان الوافد الجديد له هو ماكين، وكيف سيكون العالم إن كان الداخل إليه هو أوباما.
ورغم أن الكثير من المحللين يرون شخص الرئيس لا تأثير له قوي على خط السياسية الأمريكية وأن أمريكا دولة يديرها أصحاب رءوس الأموال وشركات السلاح وغيره وأن هامش تأثير (منصب الرئيس) ضعيف أيًّا ما كان شخص الذي يشغل هذا المنصب واتجاهاته لكن دعونا نرى هل هناك فعلاً تأثير على الأمن القومي العربي وقضاياه الرئيسة بعد وفود قادم جديد للبيت الأبيض.
كيف ينظر ماكين لقضايانا وكيف يراها أوباما، وهذا هو ما يعنينا من برنامجهما السياسي.
ويمكننا تحديد قضايا الأمن القومي العربي على عدة أصعدة:
اـ على صعيد الوضع الفلسطيني
في ما يتعلق بالصراع العربي ـ الإسرائيلي، ألقى المرشحان خطابيهما المتوقعين أمام اللوبي المؤيد لإسرائيل (أيباك)، وعبرا عن دعمهما غير المحدود لإسرائيل. وعلى رغم تشابه التزامات المرشحين إزاء حل الدولتين بين إسرائيل وفلسطين.
فـ(ماكين) لم يبد كبير حماسة لاستئناف عملية السلام، وهو يعتبر حركة حماس عدوًا يجب محاربته. وقال إنه سيكون «أسوأ كابوس بالنسبة إلى حماس».
من ناحية أخرى فإن أوباما لم يُخْفِ تَحَيُّزَه لإسرائيل، وعندما زار المنطقة فإنه زار العراق وإسرائيل، ولكنه لم يزر لا مصر ولا السعودية، بل إنه تعهد خلال زيارته للقدس أن يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقال: إن إسرائيل معجزة تحققت بالشرق الأوسط.
2ـ على صعيد الوضع العراقي:
فيما بدأ الرجلان حملتيهما الانتخابيتين بآراء متباينة تمامًا في شأن العراق، فإن موقفيهما صارا الآن أكثر تقاربًا.
فقد دعم ماكين الحرب على العراق منذ البداية، كما دعم قرار زيادة عدد القوات الأمريكية هناك، وهو أصاب شهرة حين لمّح إلى أنه قد يبقي القوات الأمريكية في العراق «100 عام أخرى» إذا تطلب الأمر. ويحاول ماكين الإفادة من نجاح عملية زيادة القوات في العراق، غير أنه يتحدث الآن عن جدول زمني لسحب القوات الأمريكية على مدى أربع سنوات.
أما أوباما فقد عارض الحرب وزيادة عديد القوات، ودعم خطة للكونجرس اقترحت انسحابًا كاملاً للقوات الأمريكية من العراق بحلول (مارس) 2008. وهو يفخر بأنه وصف الحرب منذ البداية بأنها خطأ، بيد أنه يعترف الآن بأن زيادة القوات أينعت بعض الثمار. ويفضل أوباما انسحابًا سريعًا للقوات على مدى 16 شهرًا، على أن يتم الاحتفاظ ببعض الوحدات العسكرية للمساعدة في تدريب الجيش العراقي ودعمه. وقد تسعفه خبراته السابقة وشخصيته في العمل في شكل إيجابي مع القادة العراقيين ومساعدتهم في التغلب على خلافاتهم، لكن شريكه الانتخابي المرشح لمنصب نائب الرئيس جو بايدن سيكون أقل قبولاً بين العراقيين لأنه تزعم حملة الدعوة إلى تقسيم العراق.
3ـ على صعيد الوضع في لبنان
بالنسبة إلى لبنان يشترك المرشحان في دعمهما القوي لسيادة لبنان وللقرار 1701 والمحكمة الدولية الخاصة باغتيال الحريري. ويعتبر ماكين لبنان ساحة معركة مهمة في المجابهة المستمرة مع سورية وإيران.
أما أوباما فبحسب تصريحاته فإنه يرى أن ما يجري في لبنان ساحة للصراع السوري ـ الإسرائيلي والمواجهة الأمريكية ـ الإيرانية، وهو يتطلع إلى استكشاف آفاق الحلول التفاوضية.
ويرى بعض المتابعين للشأن الأمريكي أن أوباما يريد أن يرجع للأسلوب الأمريكي القديم وهو المفاوضات من أجل المفاوضات، فقد كانت المفاوضات تجري بين الفلسطينيين والإسرائيليين لعشرات السنين دون أن يتحقق شيء ملموس على الأرض لكن يستطيع أن يجابه أوباما الرأي العام الأمريكي والعالمي أنه أرجع المسار العربي الإسرائيلي إلى المفاوضات من جديد.
4ـ على صعيد الوضع السوري
الاختلاف الأكبر بين المرشحين ربما يكمن في مقاربتهما لسورية. إذ يفضل أوباما وبايدن تشجيع محادثات السلام السورية ـ الإسرائيلية، ويعتقد أن في الإمكان تشجيع سورية على انتهاج جملة سياسات أكثر اعتدالاً. لكنه في الوقت نفسه أَيَّد هجوم إسرائيل على سوريا، معتبرًا أن ذلك جزء من دفاع إسرائيل عن نفسها تجاه أي خطر يهددها، وخاصةً الخطر النووي ، مؤكدًا على العلاقات التاريخية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، أما ماكين فهو يعارض المحادثات السورية ـ الإسرائيلية ويعتبر سورية عدوًا دائمًا.
5ـ على صعيد الوضع السوداني
وإذا اتجهنا جنوبًا نجد أن باراك أوباما دعا إلى فرض منطقة للحظر الجوي فوق دارفور. وقال أوباما في المناظرة الثانية مع خصمه الجمهوري جون ماكين: «يمكننا تقديم دعم لوجستي وإقامة منطقة للحظر الجوي بكلفة قليلة، وهذا ما أنوي أن أفعله بصفتي رئيسًا».
ولم يعارض ماكين تلك النقطة وهو يتشابه مع أوباما ويؤيد فكرته.
أيهما أفضل لقضايا الأمن القومي العربي:
يرى كثير من المحللين أن الفرق بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة- ليس كبيرًا، خصوصًا فيما يتصل بالقضايا الاستراتيجية؛ لأنها جزء من سياسة المنظومة الأمريكية أو "المؤسسة"، أو هي جزءٌ من ثوابت الأجهزة السيادية الأمريكية، مما يعني أنها لا تؤثر فيها شخصية الرئيس إلى حد كبير.
لكن يمكننا أن نقول: إنه بالنسبة لنا تحديدًا، وبالنسبة للقضايا العربية ، فإنّ الفرق بين ماكين وأوباما لا يعدو أن يكون ضئيلا فالأول يصل إلى أهدافه بفجاجة ووضوح، واستهتار بالخصم، وقدر هائل من القسوة ، والثاني يصل إليها أيضًا، ولكن بقدر من المراوغة والنعومة، ودسّ السم في العسل.
والدارس لطبيعة الشخصية العربية يدرك أن الأسلوب الأول أفضلُ ؛ لأنه ربما يَسْتَفِزُّنا ويخرج عوامل القوة الكامنة داخلنا، أو يحقق نوعًا من الاستنفار يُقَلِّل من كمية الخسائر، كما أنه يخرص إلى حد كبير المطبلين للغرب من بني جلدتنا، وأما الثاني، فإنه قاتل بطيء، بالأسلوب البريطاني المشهور بطيء لكن أكيد، وهو أخطر..
وقد يقبل البعض القول القائل: إن أوباما أسوأ من ماكين بالنسبة للقضية المحورية للعرب، مستدلين بأن وضع أوباما في قفص الاتهام بوصفه مسلمًا ربما يجعله أشد تحيزًا ضد قضايا المسلمين حتى ينفي عن نفسه التهمة .
أضف إلى ذلك أن الحزب الديمقراطي الأمريكي عادةً أشدُّ حماسًا لإسرائيل من الحزب الجمهوري، وكلاهما طبعًا متمسك بثوابت السياسة الأمريكية فيما يخص إسرائيل، وهو نوع من الالتزام الأخلاقي والحضاري تُجَاه إسرائيل، لا يستطيع أي رئيس أمريكي أن يتخلى عنه، على حد تعبير الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون في كتابه لفرصة السانحة.
والأكيد أنا اللاعب الأساسي في قضايانا العربية ليس صاحب البيت الأبيض ولا مالك القصر الأسود، ذلك أن الشارع العربي ـ المغيب عن قضاياه ـ لم يقل كلمته بعد.
روابط الملف الصحفي
- أضواء على الانتخابات الأمريكية... علي صلاح
- اغتيال "الحلم الأسود"!!... عصام زيدان
- لماذا تفضل إيران أوباما رئيسًا للولايات المتحدة؟... شيماء نعمان
- أوباما على خطى بوش!... شريف عبدالعزيز
- أوباما وماكين.. منافسة شرسة يحسمها الناخب الأمريكي... أحمد أبو عطاء
- أوباما وماكين... وقضايا الأمن القومي العربي
- سباق الرئاسة الأمريكية
- الكيان الصهيوني يؤيد "ماكين أوباما"... أحمد الغريب