أوباما... هل ينجح في التغيير؟... شيماء نعمان

المصدر/ صحيفة لوس أنجيليس تايمز
ترجمة/ شيماء نعمان
مفكرة الإسلام: "باراك حسين أوباما" هو الاحتجاج التاريخي المدوي الذي أعلنه الشعب الأمريكي ضد سياسات الحزب الجمهوري التي زعزعت البلاد على مدار ثمانية أعوام. لقد رفع أوباما شعار الدعوة إلى التغيير وتحمس لها جمهور الناخبين ليصبح أوباما أول رئيس أسود للولايات المتحدة. إلا أنه مع انتهاء سباق الانتخابات الرئاسية بدا سباق جديد محفوف بالتحديات والطموحات الداخلية والخارجية... فهل ينجح الرئيس الجديد في اجتيازه؟
وحول فوز أوباما وملامح التغيير المنشود، نشرت صحيفة "لوس أنجيليس تايمز" الأمريكية في صفحة الرأي مقالاً افتتاحيًا تحت عنوان "فوز أوباما تفويض للتغيير"، جاء فيه:
إن الحملات الانتخابية تتسبب في الانقسام والفرقة، وهذه الحملة لم تكن استثناءً من تلك القاعدة. ولكن إذا كانت الحملات الانتخابية تقدم الخيارات، فإن الانتخابات هي مناسبة الالتحام وإعادة الاتحاد. ففي مساء الثلاثاء، انتهى السباق بفوز دامغ قد غيّر شكل الخارطة الانتخابية وذكرنا على نحو مؤثر باللحظات العظيمة في تاريخنا.
ومع الانتصارات في المعاقل الديموقراطية والحصون الجمهورية التاريخية، فإن "باراك أوباما" يمكن له شرعيًا أن يعلن حيازته لتفويض وطني، تفويض سيكون في حاجة إليه لمواجهة الصعوبات المقبلة. وهو كرئيس لنا، يتعين عليه أن يعيد الحيوية إلى أمة مشوشة، تُمنى بسمعة سيئة في معظم أنحاء العالم، ومضطربة وقلقة داخليًا. إن دائرة القضايا التي تتطلب اهتمام الإدارة القادمة تكاد تكون لا حصر لها، وتوق البلاد إلى قيادة واعية وذات ضمير حي أمر ساطع الوضوح.
وقبل أن تفسح الانتخابات الطريق أمام تعقيدات الحكم والإدارة، فإننا جديرون بالاستمتاع بهذه اللحظة. فنفس الأمة التي أقرت قوانين "جيم كرو" خلال فترات عديدة في تاريخنا قد انتخبت رجلاً أسود لرئاسة الولايات المتحدة -- وذلك بعد مرور 61 عامًا على انضمام اللاعبة السوداء "جاكي روبنسون" لفريق "بروكلين دودجرز" للبيسبول، ومرور 54 عامًا على تحدي براون لهيئة التعليم التي كانت تضم جميع مدارس البلاد، ومرور 45 عامًا على كلمة القس "مارتن لوثر كينج جونيور" للضمير القومي من مركز التسوق الوطني في واشنطن.
إن تاريخنا مع العنصرية حقيقي ومؤلم، ولا يزال بعيدًا عن التلاشي. ولكن بالمثل فإن خطى التقدم التي تحققت لا يمكن إنكارها. وقد بدت أمامنا مساء يوم الثلاثاء. ولقد تردد صدى الارتياح إلى فوز أوباما حول العالم، مثيرًا لمشاعر قوية في أوروبا وإفريقيا، وفي البلدان الغنية والفقيرة، تمامًا كما أثار روحنا الوطنية.
وأوباما لن يكون رئيسًا لعرق أو لمنطقة ولكن لأمة بأسرها. ولقد أبدى ملكات قيادية مثيرة للإعجاب خلال سنواته الشابة وخلال الحملة الانتخابية الطويلة. وبينما يتولى أوباما المنصب الذي منحه إياه جمهور الناخبين، فإن الفرصة بين يديه ليصبح القائد الذي لم يكونه الرئيس الحالي في أوقات كثيرة.
قضايا وتحديات
ويتعين على أوباما أن يتغلب على تحزب الحملة الانتخابية، ورأب الانقسامات الحزبية، كما قد تعهد من قبل الرئيس"جورج دبليو بوش" ولكنه لم يفعل. ويتعين عليه أيضًا إصلاح العلاقات الدولية للولايات المتحدة وتجديد ارتباطاتنا بالمنظمات متعددة الأطراف التي تجاهلها الرئيس بوش. كما أن عليه كذلك تدارك الأضرار التي فرضتها ما يطلق عليها "الحرب على الإرهاب"، والتي عزلت الولايات المتحدة عن العديد من أصدقائها. وأيضًا فإن إغلاق منشأة الاحتجاز في خليج جوانتانامو بكوبا من شأنه أن يكون بداية مرحبًا بها وذات دلالة.
إن أوباما يواجه وضعًا اقتصاديًا متأزمًا. حيث إن حالة الهبوط التي تسبب فيها انهيار السوق العقاري من شأنها أن تفرض عليه التصدي للتصاعد في معدلات البطالة، وحالات حبس الرهن المتزايدة، وبعض حالات الإفلاس الضخمة، والتي ربما تتضمن شركة أمريكية كبرى تعمل في صناعة السيارات. إن الإغراء سيكون قويًا لفتح صنبور الميزانية الفيدرالية وضخ الأوراق النقدية إلى اقتصاد البلاد. إلا أن هناك دروسًا من التاريخ للإصغاء إليها في هذه المرحلة من الأزمة. فليست هناك سوى قليل فائدة أو لا فائدة مطلقًا يمكن جنيها من تقديم أموال لدافعي الضرائب والشركات التي ليست على استعداد لإنفاقها. فالاحتفاظ بشركات ضعيفة في سوق العمل لتقليص آلام فقد المزيد من الوظائف لن يؤدي إلا إلى تأخير عملية إعادة الهيكلة التي لا مفر منها، وتمديد الوعكة الاقتصادية. وكلما ازداد تدخل الحكومة بصورة مباشرة في صناعة ما، قوضت دور السوق في اختيار الرابحين والخاسرين.
أما من ناحية قضايا البيئة والطاقة، فسيكون لزامًا على أوباما انتهاج تغيير جذري في سياسة البلاد تجاهها. فلقد ظلت لمدة طويلة ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي قضية تحزبية مع تصدر "آل جور" والديموقراطيين للتصدي لها، في الوقت الذي أبدى فيه الجمهوريون- ومن بينهم بوش- استخفافًا بالنتائج التي توصلت إليها الأبحاث العلمية وشجعوا على استهلاك الوقود الحفري. إن التغير المناخي ليست قضية سياسية: فالأرض تزداد دفئًا، وقد انتهى الرأي العلمي بالإجماع إلى أن البشر هم السبب المباشر في ذلك.
وهناك سبب وجيه للاعتقاد في أن المحافظين، الذين عارضوا المبادرات البيئية نظرًا لتكاليفها المالية، لديهم الاستعداد للانضمام لهذا الحوار. فالسيناتور "جون ماكين" يؤيد برامج خفض انبعاثات الكربون، كما أن شخصيات بارزة تنتمي للحركة الإنجيلية المسيحية قد بدأت في الدعوة إلى تعزيز رقابة أكبر على الأرض. وأكثر من ذلك، فإنه من الواضح على نحو متزايد أن تجاهل التغير المناخي سيكون عبئًا على الاقتصاد العالمي أكثر من لو تمت مواجهته، وهي النقطة التي يجب أن تصيب الهدف مع المحافظين الاقتصاديين.
إن رئيسنا الجديد في حاجة إلى فرض ضوابط على انبعاث الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، وتشجيع الاعتماد على الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة الطاقة وتوفير وقود المركبات.
ولقد تجنبت الحملة الانتخابية إلى حد كبير قضية الهجرة، وهو موضوع أثار دوائر انتخابية بعينها وخلط بين اختلافات الحزبين بعد أن اختار ماكين وأوباما ألا يناقشاه بصورة مستفيضة. أما الآن وقد أصبح يوم الانتخابات وراء ظهورنا، فإن على واشنطن التعاطي مع هذه القضية مجددًا. ويتعين على الليبراليين الاعتراف بأن أمننا القومي يعتمد على وجود حدود مستقرة؛ وأن يُقر المحافظون أنه لا الإدراك السليم ولا اللياقة يسمحان لنا بطرد الملايين الذين جاءوا إلى هنا بصورة غير شرعية، ولكنهم الآن يؤدون أعمالاً ويقيمون أسرًا ويساهمون في مصالحنا القومية.
وقد ساند بوش بحكمة مشروع إصلاح شامل في نظام الهجرة، إلا أنه لم يتمكن من الحصول على مصادقة الكونجرس. ولذلك فإنه يتعين على الرئيس الجديد والكونجرس الجديد إتمام ذلك العمل.
والمزج بين ذلك وغيره من التحديات هو المفارقة الأساسية للمنصب الذي أورثه الرئيس بوش لخليفته: فأوباما سيتولى رئاسة توسعت سلطاتها بصورة كبيرة على أيدي بوش ويتعين عليه أن يتخلى عن تلك السلطات المستحدثة من أجل استعادة الشرعية لذلك المنصب. فحيث دأبت إدارة بوش على توقيع بيانات لسن قوانين والتحايل عليها في الوقت نفسه، فإن أوباما يتعين عليه ألا يفعل. وحيث غض بوش طرفه عن ممارسات التعذيب واعتقال العناصر "الإرهابية" المشتبه فيها دون محاكمة أو لجوء إلى المحاكم، فإن أوباما يتعين عليه ألا يفعل. ولقد قلص بوش من دور كلٍ من الكونجرس والمحاكم، خلال فترة رئاسته الإمبريالية، وقد حان الوقت لاستعادة التوازن لمؤسساتنا الحاكمة.
إن التواضع والاعتدال هي مبادئ تليق بقوة كبرى وقائد عظيم. فقد قدم بوش احترامًا كلاميًا مزيفًا لتلك المثل العليا؛ غير أن أوباما يجب أن يحتفي بها عمليًا وليس فقط من خلال الكلمات.
لقد انخرط الأمريكيون على مدار عامين تقريبًا في جدل مفعم بالإثارة - وأحيانًا بالازدراء - حول أي المرشحين وأي الأفكار ينبغي أن تقود هذا البلد عبر حاضر خطير وصعب تجاه مستقبل واعد. وفي يوم الثلاثاء، قمنا باختيار الرئيس لقيادة تلك الرحلة. واليوم نبدأ في الاتحاد من جديد.