ملامح استراتيجية أوباما في بلاد الأفغان عصام زيدان

عصام زيدان
مفكرة الإسلام: اجتاز الرئيس المنتخب باراك أوباما عقبات متعددة قبل أن يحظى بهذا اللقب الكبير "رئيس أمريكا الرابع والأربعين"..فقد اجتاز عقبة العنصرية التي ما زالت ممسكة بخناق المجتمع الأمريكي..واجتاز عقبة الترشح داخل الحزب الديموقراطي والفوز في المنافسة الشرسة مع السيناتور هيلاري كلينتون.. ثم أخيرا عقبة الفوز بمنصب الرئاسة متفوقا على منافسة الجمهوري جون ماكين..وبقيت أمام الرئيس المنتحب عقبات من نوع جديد لم يختبر فيها على وجه الحقيقية.
ولعل أبرز هذا العقبات تكمن في المناطق الملتهبة والساخنة التي قذفها له قبل رحيله الرئيس جورج بوش، وذلك في العراق وأفغانستان، إضافة إلى ملفات أخرى لا تقل أهمية عنها، وفي مقدمتها الأزمة الاقتصادية العالمية، وإفلاس المؤسسات الأمريكية، وفي مقدمتها مصانع السيارات.
معضلة أفغانستان
| مظاهر الفشل الاستراتيجي في أفغانستان: · الصعود المتوالي في قوة وقدرة طالبان العسكرية. · ضعف الحكومة المركزية في كابول. · امتداد نشاط الجماعات المسلحة من أفغانستان إلى باكستان. · فشل التحالف الذي جمعته الولايات المتحدة تحت مسمى "ايساف" والذي تقوده قوات الناتو |
وعن الوضع الذي ورثه أوباما في أفغانستان، فلا أقل من أن يوصف بأنه فشل على كافة المستويات، خاصة على المستوى الاستراتيجي، وهو ما دعا الرئيس بوش ورفاقه في البيت الأبيض إلى التفكير في استراتيجية جديدة بعد مرور ما يقرب من ثماني سنوات على بدء الحرب في هذا البلد، والتي استغرقت فترتيه الرئاسيتين.
وقد تجلت مظاهر الفشل الاستراتيجي في عدة مظاهر منها، الصعود المتوالي في قوة وقدرة طالبان العسكرية وسيطرتها على ما يزيد من نصف الأراضي الأفغانية، ضعف الحكومة المركزية في كابول وعدم قدرتها على فرض وجودها على الواقع الأفغاني، امتداد نشاط الجماعات المسلحة من أفغانستان إلى باكستان، فشل التحالف الذي جمعته الولايات المتحدة تحت مسمى "ايساف" والذي تقوده قوات الناتو، ورغبة الكثير من أعضائه في الفرار من المعركة الخاسرة، فضلا عن فشل هذه القوات في مواجهة عناصر طالبان في الجنوب المشتعل.
استراتيجية أوباما في أفغانستان
| وعلى ذلك ستتغير الاولويات لتصبح أفغانستان بدلا من العراق هي الهدف، وسيسحب أوباما على إثر ذلك قواته من العراق ويعزز بها القوات في أفغانستان |
وأمام هذا الوضع المتردي، والفشل الاستراتيجي، فإن الرئيس المنتخب بات يراهن على استراتيجية جديدة يعول عليها في الخروج من هذا المأزق، ومن أبرز ملامح هذه الاستراتيجية الأتي:
*التركيز على الجبهة الرئيسة، دون تشتيت المجهودات في أكثر من جبهة، وعلى ذلك ستتغير الاولويات لتصبح أفغانستان بدلا من العراق هي الهدف، وسيسحب أوباما على إثر ذلك قواته من العراق ويعزز بها القوات في أفغانستان، أي أنه سيركز على "مفرخة الإرهاب" من أجل حسم الموقف وإعلان النصر النهائي بدلا من تشتيت قواته في أكثر من جبهة.
*القيام بدور قيادي أكثر وضوحا وقوة في الحرب، خاصة في المناطق الجنوبية والغربية المشتعلة، بعد الأداء غير الموفق لقوات الناتو التي تفتقر للحماس والخبرة اللازمة في القتال في هذه الأماكن.
*تغيير طبيعة الهدف من المعركة حتى يمكن كسبها، فأوباما على اعتقاد بأن العقبات التي واجهتها استراتيجية بوش في أفغانستان، ترجع في الأساس إلى أنها قد رسمت أهدافا غير عملية غير قابلة للتحقيق مثل إقامة دولة مركزية، تتمتع بديمقراطية على النمط والطراز الغربي، والقضاء التام على العناصر المهددة سواء القاعدة أو طالبان، بدلا من أن يكون الهدف هو إنشاء دولة مستقرة متماسكة تناسب الطبيعة الوعرة لأفغانستان ترفض "الفكر المتطرف" وتلفظ "العناصر الإرهابية".
| وتعتمد استراتيجية أوباما بصورة أكبر على التعاون مع الدول الإقليمية وإجراء محادثات مع إيران |
*وتعتمد استراتيجية أوباما بصورة أكبر على التعاون مع الدول الإقليمية وإجراء محادثات مع إيران، التي كان لدخولها إلى جانب القوات الأمريكية في حربي العراق وأفغانستان أثر بالغ في مسار المعركة، بالإضافة إلى ممارسة ضغوط مكثفة على باكستان الحليف الأبرز في الحرب على "الإرهاب" لممارسة دورها بفاعلية، وقد وصل الأمر باوباما إلى حد التلويح بشن ضربات عسكرية مباشرة ضد باكستان.
*إلى جانب الضغوط العسكرية المكثفة، وتفعيل الجبهة الإقليمية، تركز استراتيجية الرئيس الأمريكي المنتخب كذلك على فتح قنوات للحوار مع طالبان، لا القاعدة، سواء بصورة مباشرة أو من خلال الحكومة الأفغانية، لإشراكها بقدر ما في منظومة الحكم مقابل تخليها عن العمل المسلح، وفك ارتباطها بعناصر القاعدة.
*مراجعة التزام واشنطن بتأييد الرئيس كرزاي الذي أبدى ضعفا لافتا،وعجزا عن ممارسة أي دور بفاعلية، على أن يقوم تجمع لزعماء القبائل هناك بانتخاب رئيس جديد، يحظى بقدر من القبول الشعبي والعشائري، تمكنه من لعب أدوار أكثر فاعلية، شريطة التزامه بالنهج الأمريكي.
*محاولة تحقيق نصر معنوي بإحياء الالتزام الأمريكي بمهمة تعقب زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن والقبض عليه، وهي مهمة يعتقد الرئيس المنتخب أن الرئيس بوش قد قلل من أهميتها، بسبب تركيزه على العراق على حساب أفغانستان، وهو ما قد يدفعه للتخطيط لحشد أجهزته الاستخباراتية لهذا الهدف.
ولاشك أن هناك شكوك كثيرة تحيط بقدرة أوباما على تحقيق هذه الاستراتيجية في بلاد الأفغان، وقدرتها على حسم المعركة وفق ما يرغب الرئيس الجديد وما يريد، إذا أن سحب قوات من العراق وتوجيهها إلى أفغانستان ليس بالأمر السهل الميسور، لاسيما وأن المعركة في العراق لم تنتهي بعد، وسحب قوات من هناك قد يجد معارضة قوية من المؤسسة العسكرية التي وصفت خطط الانسحاب المبكر بأنها "خطر داهم".
أضف إلى ذلك أنه مهما بلغ عدد الجنود، فإن طبيعة المعركة في أفغانستان جد مختلفة عن العراق، وإن كانت هذه الاستراتيجية قد حققت للولايات المتحدة بعضا مما كانت ترغب فيه في العراق، فليس من المتوقع أن يكون الأمر كذلك في أفغانستان.