سلسلة فن الجماعية 7 ... التكاتف 1
فريد مناع
لو سألتك كم يساوي (1+1= ...)؟ فسيكون ردك الأكيد: بالطبع يساوي 2، ولكن تمهل قليلًا ـ عزيزي القارئ ـ فليس الأمر كما تظن، فقد يساوي 4 أو 5 أو 10، ولا تظن أن المعادلة بهذا الشكل ستكون خاطئة، على العكس أنها تلخص معنى التكاتف.
إنه المعنى البسيط للتكاتف والتعاون، والذي ينص على أن الكل أكبر من حاصل أجزائه، بمعنى أنك إذا أضفت واحدًا إلى واحد؛ فالحاصل ليس اثنين، بل ثلاثة أو أكثر.
وها ما يؤكده دان زادرا بقوله: (اشترك مع اثنين أو أكثر في السعي وراء هدف مشترك، وسوف يمكنك تحقيق المزيد من الإنجازات بمقدار أقل من الجهد، معًا يمكننا أن نحقق ما لا يستطيع أن يحققه أحدنا وحده).
ولذا كان التوجيه النبوي واضحًا في ذلك، فيرسم لنا النبي r شكل المجتمع المسلم، وعلاقة أفراده ببعضهم البعض، فقال r: (المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا) [رواه البخاري].
مملكة التكاتف:
يحكي لنا الشيخ على القرني عن مثال واضح للتكاتف بين مجتمع النمل، فيقول: (وانظر مثلًا إلى النمل؛ يعيش في تكاتف عجيب بين أفراده، تخرج أسرابه طالبة قُوتَها، فإذا ظفرت بها شرعت في نقلها على فرقتين اثنتين:
فرقة تحمله إلى بيوتها ذاهبة، وأخرى خارجة من بيوتها إلى القوت، لا تخالط فرقة أخرى، ولا يقع بينها تزاحم ولا تدافع، الذاهبون في طريق، والراجعون في طريق، في تناسق عجيب.
ثم إن ثقل على إحداها حمل شيء؛ استغاثت بأخواتها فتعاونت معها على حمله، ثم خلوا بينها وبينه بلا أجرة، بل انظر كيف مكن التكاتف النمل من زراعة الأرض!
لقد شاهد أحد العلماء في إحدى الغابات قطعة من الأرض، قد نما فيها أرز قصير من نوع بري، مساحة قطعة الأرض خمسة أقدام في ثلاثة، ويتراءى للناظر إلى هذه البقعة من الأرض، أن أحدًا لا بد أن يعتني بها، فالأرض الطينية مشققة، والأعشاب مستأصلة، والغريب أنه ليس هناك مناطق أرز حول ذلك المكان.
ولاحظ ذلك العالم أن طوائف من النمل تأتي إلى هذه المزرعة الصغيرة وتذهب، فانبطح على الأرض ذات يوم ليراقب ماذا يصنع النمل، فإذا به يفاجأ بأن النمل هو صاحب المزرعة، وأنه اتخذ الزراعة مهنة تشغل كل وقته؛ فبعضه يشق الأرض ويحرث، والبعض الآخر يزيل الأعشاب الضارة وينظف.
وبعد أن طال الأرز واستوى ونضج، وبدأ موسم الحصاد؛ شاهد صفًا من النمل في وقت الحصاد متسلقًا شجر الأرز إلى أن يصل إلى الحبوب، فتنتزع كل نملة حبة من تلك الحبوب، ثم تهبط سريعًا إلى الأرض، ثم تذهب به إلى مخازن تحت الأرض لتخزينها ثم تعود.
وطائفة أخرى أعجب من هذه؛ تتسلق مجموعة منها أعواد الأرز فتلتقط الحب وتلقي به، وبينما هي كذلك؛ إذ بمجموعة أخرى تحتها تتلقى هذا الحب وتذهب به إلى المخازن، ويعيش النمل هناك عيشة مدنية في بيوت ذات شقق وطوابق، أجزاء منها تحت الأرض، وأجزاء فوقها، وله حرس وخدم وعبيد، وهناك ممرضات تعتني بالمرضى ليلًا ونهارًا، وقسم آخر يرفع جثث الموتى ويشيعها ليدفنها).
إذًا هي ليست مملكة نمل، بل هي مملكة التكاتف والتعاون، نتعلم من خبراتها، ونتأمل في حالها، وما أجمل قول الشاعر:
النمل تبني قراها في تماسكها والنحل تجني رحيق الشهد أعوانًا
مجتمع التكاتف:
لقد أعطى صحابة رسول الله r مثالًا واقعيًا حيًا للمجتمع المتكاتف، وعاشوا جميعًا على قلب رجل واحد، في ظل غاية واحدة، وهدف واحد، حتى أن ابن عمر رضي الله عنهما يرسم لنا صورة من صور هذا التكاتف الذي عمَّ جميع مجالات الحياة، صورة تشتم منها عبق المبحبة والتكاتف بين أفراد المجتمع، فيقول: (أتى علينا زمان؛ وما يرى أحد منا أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم).
ثم انظر ـ عزيزي القارئ ـ إلى نتيجة ذاك التكاتف العظيم، فقد نتج عن هذا التكاتف أن أقاموا أعظم حضارة عرفها التاريخ، وفي خمسة وعشرين سنة فقط تسقط فارس والروم، وتقام دولة إسلامية عريقة، تضرب بدعائمها في مشارق ومغارب العالم كله، وحين رأى الناس هذا التكاتف، وهذه الأخلاق العالية من صحابة رسول الله r؛ دخلوا في دين الله أفواجًا.
التكاتف في التعليم:
عندما يحل التكاتف في الفصول الدراسية؛ ينتاب الفصل موجة عالية من الإبداع والأفكار الجديدة، ويصبح هناك جو من الإثارة والتفاعل مع هذه الأفكار والإبداعات، وتنطلق المشاريع والأبحاث والاجتهادات في ظل هذه الفورة التكاتفية العجيبة، ويظل الفصل وكأنه خلية نحل يعمل معًا في قوة وحماس؛ لأجل الوصول إلى هدف جماعي نبيل.
ويحكي ستيفن كوفي مثالًا على ذلك حدث له فيقول: (ولن أنسى ما حييت ما حدث في هذا الفصل الجماعي، الذي كنت أضطلع بتدريسه فلسفة ونظم القيادة.
كانت قد مضت حوالي ثلاثة أسابيع على بداية الفصل الدارسي حينما شرع أحد الحاضرين ـ ونحن في غمار العرض ـ يتحدث عن تجارب شخصية بالغة القوة، والتي كانت مفعمة للغاية بالعواطف ونفاذ البصيرة.
وعندئذ حطت على الفصل روح من التواضع والتوقير، توقير لذلك الشخص وتقدير لشجاعته، وأصبحت هذه الروح أرضًا خصبة لممارسة جهد تضافري إبداعي خلاق، وبدأ آخرون في الإمساك بنفس الخيط والإفضاء بتجاربهم ورؤاهم بل وربما أيضًا بعضًا من شكوكهم الذاتية.
وهكذا فقد حثت هذه الروح من الثقة الكثيرين لأن يطلقوا العنان لمكنوناتهم دون قيود، وبدلًا من أن يقوموا بعرض ما سبق لهم إعداده؛ فقد تشجع كل منهم بالأفكار والرؤى العميقة للآخرين، وبدأوا في خلق سيناريو جديد كلية، بشأن ما قد يعنيه الفصل الدراسي بالنسبة لهم، وإزاء ذلك وجدت نفسي منغمسًا بعمق في هذا العمل.
وفي الحقيقة، فلقد كنت أقرب ما أكون للمنوم مغناطيسيًا؛ لما انطوى عليه من قدر كبير من السحر والإبداع، ووجدت نفسي أتحلل تدريجيًا من التزامي بالشكل الذي أردته للدراسة، متحسسًا إمكانيات أخرى جديدة تمامًا، وهكذا فقد خلفنا وراءنا المنهج القديم والكتب التي اشتريناها، وخطط العرض، وأنشأنا أهدافًا ومشروعات ومهامًا جديدة.
وسادت بيننا روح من الإثارة الغامرة لما يحدث، حتى إننا بعد مرور ثلاثة أسابيع أخرى؛ تملكنا جميعًا شعور طاغ لأن نشارك الآخرين معنا فيما يحدث.
وقررنا أن نكتب كتابًا يتضمن ما تعلمناه، والرؤى الناقدة التي اكتسبناها في الموضوع المقرر لدراستنا ـ مبادئ القيادة ـ لقد تبدلت المهام، وبرزت مشروعات جديدة، وتكونت مجموعات جديدة أيضًا، وانغمس الأشخاص يعملون في جدية أكبر كثيرًا مما كانوا سيفعلونه في إطار المنهج الأصلي للفصل، وتحدوهم في ذلك مجموعة أسباب مختلفة للغاية.
وانبثقت من هذه التجربة ثقافة بالغة التفرد، والتلاحم، والتعاون الخلاق التي لم تصل إلى منتهاها بمجرد انقضاء الدراسة، ولسنوات عديدة كانت الاجتماعات تعقد ما بين خريجي هذا الفصل، بل إننا حتى الآن حينما يقابل بعضنا بعضًا، فإننا نتحدث عما جرى؛ بل ونحاول عادة أن نصف ما حدث وأسبابه).
وهكذا يحدث التكاتف في التعليم، إنه يبدأ باحترام وثقة متبادلة بين كل الأطراف، ورغبة في التعليم، وينتهي بإبداع وإثارة، وإنجاز غير متوقع.
ونتعرف في المقال القادم على التكاتف في العمل، وكيفية تحقيق ذلك المبدأ في حياتنا.
أهم المراجع:
1. العادات السبع للناس الأكثر فاعلية، ستيفن كوفي
2. أفضل ما قيل عن الانتصار مع فريق العمل، كاثرين كارفيلا
3. دعوة للتأمل ، على القرني
4. نصب الراية، الزيلعي